الاثنين، 14 نوفمبر 2011

تأجيل الأمنيات

تأجيل الأمنيات هند عامر

في قلب كل واحد منا  ( أمنيات ) تنكأ في القلب الجراح.. و تستثير  فيه الأحزان .. وتجتر فيه الآلام ..
(أمنيات)
تستدر دموعنا كلما رفعنا للسماء بصرا وتستنهض انكساراتنا كلما مددنا بالدعاء يدا ويمتد بها رجاؤنا كلما قلنا : يا الـلـَّه

حسنا..

كل أمنية لم تحقق هي جرح اعتاد في القلب السبات وما أشده من سبات
كيف لا وهي (جراح الأمنيات)
والأشد أنه لن يستيقظ من سباته
إلا بتحقق الأمنية أو بموت صاحبها
نحن نكره ذلك
نكره أن نموت
وأمنياتنا لم تتحقق
نكره ذلك و لا نعلم
أنه لها الدواء ولجرحها الشفاء
نعم
قد يكون هذا الحل حلا غريبا للوهلة الأولى
لكن لتطبيقه لذة عجيبة
لا يدركها إلا من جربها

سأروي لكم حديثا عذبا يحوي آية
ثم سأحدثكم بعد ذلك
عن تلك (الطريقة المدهشة)
التي عثرت عليها بين جنبات الآية
والتي نتعلم منها سويا
كيف نداوي (جراح الأمنيات)

اقرأ بقلبك :
يقول صلى الله عليه وسلم :
هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله عز وجل؟
قالوا الله ورسوله أعلم
قال : الفقراء المهاجرون الذين تسد بهم الثغور ، وتتقى بهم المكاره ، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيعلها قضاء ،
فيقول الله عز وجل لمن يشاء من ملائكته: أأتوهم فحيوهم
فتقول الملائكة ربنا نحن سكان سمائك ، وخيرتك منخلقك
أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلم عليهم ؟
قال إنهم كانوا عبادا يعبدوني ولا يشركون بيشيئا ، وتسد بهم الثغور وتتقى بهم المكاره ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء،
قال فتأتيهم الملائكة عند ذلك فيدخلون عليهم من كل باب (سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَعُقْبَى الدَّارِ)  .
سأعيد و أقرأ بقلبك :
 (ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء.)
هل تملك قضاء حاجتك التي تنكأ في صدرك؟!
هل تملك تحقيق تلك الأماني ؟!
هل تعلم أن عجزك عن ذلك
هو سبب كرامتك في الآخرة؟!
هون عليك :)
فإن لم يحققها الله هنا
فإنه لن ينساها لك هناك
 (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً) 

 أشعر بشلال رضا يغمرني
كلما قرأت ذلك الحديث و تلك الآية
لكن ثمة شرط
إقرأ بقلبك
 (سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)
لم يقل سلام عليكم بما سخطتم ولا بما سئمتم
بل
 (بِمَا صَبَرْتُمْ)
قال ابن زيد : بما صبرتم عما تحبونه إذا فقدتموه.
يا لله  كل هذا التكريم
والسبب : (ويموت أحدهم وحاجته في صدره)
كل هذا التكريم
والشرط : (بِمَا صَبَرْتُمْ)
أو تكون تلك الكرامة بالصبر على الفقد
ثم بعد ذلك نغتم ونتسخط !!
هل عرفنا الآن كيف نداوي (جراح الأمنيات) بهذه الآية ؟!
لديك ثلاث قناعات تحتاج لتغييرها لتكون الآية
لجرحك شفاء
وله إنتهاء
وله جلاء

(1)   ليس شرطا أن يتحقق كل ما نريد في دنيانا.
(2) لندع لأمانينا فرصة أن تعيش في “أرواحنا ” ونؤجلها للآخرة
 (3) تذكر : أن عند الله لا تموت الأمنيات

 اللهم إن في قلب من كتب ومن قرأ أمنية تعصف به

اللهم إن كان في تحقيقها خيرا لنا  فعجل بها
وإن كان في تأجيلها مزيد كرامة وثواب اللهم  فأعنا على تأجيلها
اللهم أعنا على تأجيلها
اللهم أعنا على تأجيلها

   كتبته : هند عامر

الأمة العربية والهزيمة الحضارية

الأمة العربية والهزيمة الحضارية  نوع التحليل: ماذا يجري فى العالم؟ المصدر: مركز الشرق العربي
المؤلف: محمد خليفة 
اكتوبر 2008

تعيش هذه الأمة هزيمة حضارية تنعكس مفاعيلها السلبية على جميع الصعد والمجالات فيها، فهي متخلفة اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وتكنولوجياً، ولم تستطع أية دولة عربية حتى الآن أن تحقق تقدماً ملحوظاً يمكن أن يشكل نواة لإحداث نقلة نوعية في هذه الأمة، بل إن جميع هذه الدول مصابة بأمراض مختلفة، فهي إما فقيرة أو تعاني من الديكتاتورية أو تابعة اقتصادياً وعسكرياً وتكنولوجياً للقوى الكبرى في العالم، ويشكل الفقر السمة الغالبة في المجتمعات العربية، والفقر هو نتيجة لتخلف وسائل الإنتاج ولضعف الإنتاج بصفة عامة في العالم العربي. فالصناعة التي تُعد المحرك الأساسي للاقتصاد المعاصر لم تزل غائبة عن الدول العربية، وما يتوافر من صناعات في هذه الدول هي صناعات بسيطة لا ترقى إلى المستوى المطلوب في عالم اليوم. وضعف الإنتاج الصناعي يقلل الصادرات، وبالتالي تقل نسبة المردود المالي مما يؤدي إلى مزيد من مراكمة الفقر، وعملية الإنتاج هي عملية متكاملة تبدأ من التعليم الجيّد في المدارس والجامعات، ومن ثم بناء المصانع وصنع الآلات، وإدارة هذه المصانع بواسطة الكفاءات الوطنية، ومن ثم تسويق هذه الصناعات وفق معايير الجودة والمنافسة. وللأسف، فإن المبادئ الأساسية لعملية الإنتاج ما تزال متخلفة في الدول العربية بسبب ضعف الموازنات المخصصة لعملية التعليم أو بسبب ربط التعليم بالفكر الأيديولوجي الفارغ من المضمون، وأيضاً فإن الطلاب العرب الذين يحققون تفوقاً، وهم قليلون بطبيعة الحال، يهجرون أوطانهم نحو البلاد الصناعية المتقدمة في الغرب طمعاً في الثروة والحياة الهانئة التي لا توفرها لهم أوطانهم. فالقاعدة التي تقول : / الإنسان المناسب في المكان المناسب/ غير موجودة في العالم العربي، بل العكس هو الصحيح في كل الأحوال. فمهندس الطيران /مثلاً/ يعيَّن مديراً لإحدى الفنادق، وخبير الاقتصاد يعيَّن مديراً لشركة الأفران. وهكذا بشكل عبثي يسهم في زيادة التخلف والفقر. والواقع أن أية دولة عربية لا تستطيع بمفردها أن تحقق تنمية حقيقية، وعلى فرض أن إحداها تمكنت من الوصول إلى ذلك، فإن القوى العسكرية الكبرى لن تسمح لها بمزاحمتها في أسواق العالم، بل ستعمل على ضرب اقتصادها وإفشالها، ومن هنا، فإن القوة مطلب أساسي لحماية التنمية، ولا تستطيع أية دولة عربية أن تحقق لوحدها أمنها، بل لا بد من تضافر جهود جميع الدول العربية لتحقيق الأمن للعالم العربي كله. فقدر هذه الأمة هو أن تعيش معاً أو تموت معاً، ولا خيار آخر أمامها. وما يؤكد صحة هذا الكلام هو أن الولايات المتحدة وعدت مصر بعد توقيع اتفاق كامب ديفيد مع إسرائيل عام 1979 بأن تجعلها دولة صناعية متقدمة وغنية. وقد تم اختزال هذا الوعد إلى صيغة مساعدات غذائية وعسكرية، في حين أن مصر كانت تحتاج دفعة واحدة إلى مساعدات بقيمة 100 مليار دولار أو أكثر قليلاً من أجل تحقيق التنمية فيها على جميع المستويات. لكن الولايات المتحدة لا يمكنها المغامرة وجعل مصر أو أي دولة عربية كبيرة أخرى مثل الجزائر والسودان والمغرب دول متقدمة، كما فعلت مع كوريا الجنوبية التي كانت حتى منتصف الستينيات دولة فقيرة متخلفة. فمن أجل كسب الحرب الباردة في شبه الجزيرة الكورية، قررت الولايات المتحدة تقديم مساعدات اقتصادية هائلة لكوريا حتى جعلت منها دولة صناعية متقدمة تعيش ثراءً كبيراً بموازنة تبلغ 631 مليار دولار، مع أن مساحتها لا تتعدى 100 ألف كيلومتر مربع فقط، وعدد سكانها 47 مليون نسمة. وهي الآن متفوقة اقتصادياً وعسكرياً، وبشكل ملفت، على جارتها الشمالية التي كانت أقوى منها في خمسينيات القرن الماضي، مما جعل ميزان القوة يميل لصالح الولايات المتحدة في تلك المنطقة من العالم. ولا شك أن القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لا تمنح المال إلا لتحقيق فوائد تعود عليها بالنفع المباشر ولا يمكن الاعتماد على المساعدات التي تقدمها هذه القوى للدول الفقيرة ومنها بعض الدول العربية، بل لا بد من الاعتماد على الذات. وفيما يخص حالة العرب، فإن الحل الوحيد أمامهم للخلاص مما هم فيه من فقر وتخلف هو في الاتحاد فيما بينهم ولا سيما على الصعيد الاقتصادي والعسكري. فوجود قوة عسكرية عربية ضاربة سيمنع الأعداء من تهديد هذه الأمة مما سيؤدي إلى نماء الصناعة ونماء المال وتحقيق التحرر والخلاص من العبودية التي يحلم بها كل العرب.

الأحد، 13 نوفمبر 2011

إذ تمسي ثقافة الهزيمة جزءا من ثقافتنا الوطنية

إذ تمسي ثقافة الهزيمة جزءا من ثقافتنا الوطنية جريدة الشعب 19/9/2004
بقلم :محمود سلطان 

 كان ابن خلدون ـ رحمه الله ـ أول من لفت إلى أن "ثقافة الهزيمة" لها لغة ومفردات ومصطلحات، تتجلى في ممارسات النخبة التي تكون عادة شديدة التماس مع كل ما هو فكري أو ثقافي أو سياسي. واعتبر "التطبيع الثقافي" من أبرز تجليات العلاقة بين "الغالب والمغلوب"، سيما في مفردات الحياة اليومية: المأكل والمشرب والملبس، وطريقة الكلام والتفكير، والعقائد والفلسفات، وهي علاقة ليست حوارية مؤسسة على "المثاقفة"، وإنما علاقة تبعية وتقليد وإذعان، وهي المحطة الأخيرة في سلسلة الانكساريات المتتالية أمام الغالب، التي تبدأ بالهزيمة العسكرية، لتنتهي بالتسليم بالهزيمة الثقافية. ويرجع ذلك ابن خلدون، إلى أن "المغلوب عادة ما يعتقد الكمال في الغالب المنتصر".

 بعد الحملة الفرنسية على مصر (1798 ـ 1801 ) ثم هزيمة أحمد عرابي (1841 ـ 1911 ) عسكريا و احتلال بريطانيا لمصر عام 1882، كانت بعض النخب السياسية والفكرية المصرية النشطة والمتنفذة في دوائر التأثير على الرأي العام، البيئة التي تلقت الهزيمة، ليس باعتبارها "حدثا عدوانيا" وإنما باعتبارها "منحة إلهية"، تحمل البشارة "بالانعتاق الثقافي" من أسر ظلمات "العصور الوسطى" !!. وتدفقت التفسيرات التي عزت الهزيمة، إلى تمسك العرب والمسلمين - ليس بالتقاليد والأعراف الجاهلية الدخيلة على الإسلام- وإنما بمرجعيتهم الدينية، حتى وإن كانت في صيغتها النقية، باعتبارها "شرا" لا خير فيها لولوج الأمة آفاق النهضة. ولعلنا نتذكر ما كتبه قاسم أمين ( 1863 ـ 1908 )، في بداية القرن الماضي، عندما تساءل قائلا: "هل يظن المصريون .. أن أولئك القوم ـ يقصد الأوربيين ـ بعد أن بلغوا من كمال العقل والشعور مبلغا مكنهم من اكتشاف قوة البخار والكهرباء، يتركون الحجاب بعد تمكنه عندهم لو رأوا فيه خيرا؟ كلا!"، وفي الوقت الذي كان فيه المصريون، يرسلون أطفالهم إلى المدارس القرآنية "الكتاتيب" لتلقي علوم القرآن، أحضر قاسم أمين لطفلته الأولى "زينب" مربية فرنسية وللثانية "جلنس" مربية إنجليزية، وهو مثل انتقيناه من المشهد الثقافي المصري آنذاك، الذي كان في سبيله إلى تدشين أكبر عملية لتغيير هويته الحضارية، لتماثل في معمارها الثقافي والحضاري، ثقافة وحضارة الغالب المنتصر، حتى بات شعار عميد الأدب العربي طه حسين (1889 ـ 1973 )، في مؤلفه الشهير "مستقبل الثقافة في مصر".. هو "أن نحذو حذو أوربا في حلوها ومرها، خيرها وشرها".

 وفي وسط هذا المناخ المكتظ بمشاعر الهزيمة الحضارية أمام الغرب، بات الخطاب السياسي والثقافي العربي، مصدرا يقذف العقل العربي، بحممه الاصطلاحية، والتي كانت في حينها جديدة على الرأي العام، مثل الوطنية القومية (بتجلياتها المختلفة: الأشورية، البابلية، الفرعونية، الفينيقية)، والتنوير .. إلخ. ولم تكن محض مصطلحات وإنما كانت دعوات وحركات وأحزابا وروابط، استقت مفاهيمها ورؤاها من منطلق محاكاة أوربا باعتبارها مركز العالم وقبلته في ذلك الوقت، واعتقادا بان التاريخ قد اكتمل، وبلغ نهايته بانتصار النموذج الأوروبي بأسسه المادية على حضارة الشرق الروحية. ما يعني أن تلك المصطلحات والدعوات، كانت في حقيقتها إحدى تجليات الشعور بالدونية، و التسليم بالهزيمة الحضارية أمام الغرب، فالتنوير لغة وحركة وسياقا تاريخيا، صناعة باريسية، اخترعته "باريس" المنتصرة على العالم العربي، التي دكت جيوشها قاهرة المعز عام 1798، وبالت خيولها و جنودها في باحة الأزهر الشريف، واحتلت عددا من الدول العربية. وعلى الجانب العربي كان عنوانا كبيرا من عناوين ثقافة الهزيمة، إذ كان في صيغته العربية، حركة اقصائية، لم تكتف بالتطبيع الثقافي مع الغرب، و إنما تجاوزت ذلك إلى ما هو أبعد، حيث دعت إلى إقصاء الثقافة العربية لصالح الثقافة الغربية، بحيث يحل فولتير، روسو ومنتسيكيو، محل ابن رشد وسيبويه والشافعي وعبد القاهر الجرجاني!!. فالتنوير الذي طرح آنذاك ـ ولا يزال حتى الآن حيا بالأتباع والمريدين ـ كان مؤسسا على "المحاكاة" وليس على "الإبداع"، والمسافة بين الأولى والثانية، تعادل الفارق بين "التبعية" و"الاستقلال". ولما كانت ثقافة الهزيمة، تستند في التنظير لمشروعيتها على نزعة استغلالية، تستغل حالة الشعور العام بفقدان الثقة في قدرة الأمة على الصمود وتجاوز المحنة أو إعادة إحيائها من جديد، فإنها تؤسس لحضورها -

 في واقع لم يألف هذا الحضور من قبل- على إحداثيات عدة، أهمها المراوغة والتبرير والتشهير والإرهاب، إنها لا تستطيع محاججة "ثقافة المقاومة" إلا من خلال هذه الأبعاد "الرخيصة": فالدعوة إلى "الوطنية" بمضمونها الانعزالي المغلق، استغلت تحمل الشعوب العربية أعباء سداد فاتورة المواجهات العسكرية العربية في حروب التحرير من الاستعمار في القرنين: التاسع عشر وأوائل العشرين أولا ثم مع إسرائيل لاحقا، لتجد مبرراتها في الاتكاء على مبدأ "المصلحة"، إذ جعلت من الأخيرة معيارها الأساسي في تأطير شكل ومضمون وشرعية العلاقة مع العالم بما فيه العالم العربي والإسلامي، بتنويعاتها المختلفة ابتداء من التنصل من أي نص دستوري يشير ضمنا أو صراحة إلى الانتماء العربي، وصولا إلى رفض أي شكل من أشكال المساندة المباشرة أو الغير مباشرة للشعوب العربية أو الإسلامية في كفاحها ضد ما يتهددها من أخطار.

 إن الوطنية على هذا النحو المتطرف، كانت تطبيعا مع المخطط الغربي، الرامي إلى تفتيت العالم العربي، وتوزيعه إلى مناطق نفوذ بين القوى التي هزمته عسكريا من جهة، وتنصلا من أعباء المقاومة وانتصارا لثقافة الهزيمة من جهة أخرى. ولما كانت ثقافة الهزيمة، تعتمد على لغة مراوغة، وتفتقر في الوقت ذاته إلى منطق التاريخ و"الحق" والجغرافيا، فضلا عن أنها سليلة سياق تاريخي غريب وطارئ، فإنه سريعا ما تتبدى قامتها القزمية، أمام منطق الحق الحاضن لحركات وثقافة المقاومة، ما يجعلها دعوة "تغريرية"، تغرر بأصحابها لاعتماد خطاب دعائي عصبي يعتمد على التشهير بالخصوم و إرهابهم واغتيالهم فكريا ومعنويا: فكل من عارض التنوير بصيغته الانهزامية، فهو ظلامي.. رجعي .. متخلف !!. و من انتقد الوطنية في تقوقعها نحو الداخل، فهو عميل لهذا النظام أو لذاك !!

 ولئن كانت "ثقافة الهزيمة" ـ التي تتمثلها النخبة في دول الهامش ـ هي وليدة أوضاع دولية، تستأثر فيها قوة وحيدة بالسيطرة على العالم عسكريا وسياسيا و اقتصاديا وثقافيا (لاحظ فتور ثقافة الهزيمة في العالم العربي خلال الحرب الباردة ووجود قوتين تتنازعان الهيمنة على العالم )، فإنها تتبدل مصطلحاتها و تتلون مسمياتها، وفقا للخصوصية الثقافية والحضارية، لتلك القوة الوحيدة، التي رشحتها الشروط التاريخية في حينها، للهيمنة المباشرة أو غير المباشرة على العالم: فالعصر الإمبريالي الذي مثلت "باريس" و"لندن" معا ـ في القرن التاسع عشر و أوائل القرن العشرين ـ سنامه وقوامه الأساسي، كانت له مصطلحاته، الفرعية ـ والتي ظهرت في العالم العربي وفي غيره أيضا ـ سواء في جانبها السياسي (مثل القومية والوطنية ) أو في جانبها الفكري (مثل التنوير والعلمانية)، داخل إطار اصطلاحي أوسع يعكس الخصائص الكونية لثقافة الإمبراطوريتين الفرنسية والبريطانية مثل : "الفرانكفونية" و"الانجلوسكسونية"، وعلى الرغم من أنها اصطلاحات أفرزتها تداعيات هزيمة العالم العربي عسكريا، إلا أن النخبة لم تخف سعادتها بانتمائها لهذه الثقافة أو لتلك ، حتى أن طه حسين لم يتحرج من التباهي بـ"فرنكفونيته" وكذلك عباس محمود العقاد لم يخف سعادته بـ"انجلوسكسونيته".

 بيد أن "ثقافة الهزيمة" بدلت مصطلحاتها، بعد أن حلت الولايات المتحدة محل أوروبا لزعامة العالم عقب نهاية الحرب العالمية الثانية في منتصف القرن الماضي، ثم اختفاء الاتحاد السوفيتي في مطلع تسعينياته، واستبدل المثقفون العرب مفاهيم "التنوير والحداثة والبنيوية" الباريسية ( ثقافة "الغالب" القديم ) بـنظريات "ما بعد الحداثة" و"التفكيكية" الأمريكية (ثقافة "الغالب" الجديد)، بكل تجلياتها الانهزامية، إذ تراجعت الصرامة في قداسة "الحدود السياسية" و"السيادة الوطنية" للدول، لصالح مفهوم "العالم ـ القرية"، واستبدال "الإنسان الأيديولوجي" بـ"الإنسان الهلامي"، والتسليم بالعولمة (= أمركة العالم)، ليس باعتبارها حالة طارئة فرضها منطق القوة والتفوق التقني، وإنما باعتبارها، وعلى نحو ما ذهب إليه "فوكوياما"، المحطة الأخيرة والنهائية في مسيرة التطور الإنساني، ولعل ذلك هو "أصل" محنة العالم العربي، إذ إنه يستقبل ما ينتجه الغالب ـ المنتصر من مصطلحات ومفاهيم تكون عادة مستبطنة تفوقه واستعلائه الحضاري من جهة، وانتصاره العسكري من جهة أخرى، ثم تستهلكها النخب الفكرية والسياسية العربية، باعتبارها استجابة طبيعية لـ"الواقعية السياسية" أو لـ"العقلانية الفكرية"، رغم أن استهلاكها على هذا النحو الذي لا يقبل مراجعة و يغالي في قداستها، هو في واقع الحال عمل بالوكالة عن "المنتصر" لتجميل الهزيمة ودغدغة مشاعر المهزومين، ولعل اخطر ما في هذه الظاهرة، إنها ـ بتواتر تداولها في النصوص السياسية و الفكرية العربية ـ قد تكتسب في الضمير والوجدان الجمعيين قيمتها الواقعية، وربما تمسي بمضي الوقت ـ وهذا هو الأخطر ـ جزءا أصيلا من ثقافتنا الوطنية.

خاطرة في نهاية الظالمين

خاطرة في نهاية الظالمين سعيد بن محمد آل ثابت

 الحمد لله القائل ( ومن يهن الله فماله من مكرم ) , والصلاة والسلام على رسوله الله القائل ( إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)..

قضى الله في الكون بالعدل , فمن نحى غيره , قصمه , ولقد شاهدنا جميعنا ما تناولته وسائل الإعلام بالأمس الخميس 22/11/1432هـ , عن مقتل طاغية ليبيا , وفرعونها ..

لقد شاهدنا نهاية الظالمين عبر هذا العام , فكان الأول هارباً مشرداً حين تألبوا الشعب عليه , وهو من تسبب على شعبه بالتشريد في البلدان , فيا سبحان الله .

والثاني بات عقب الغطرسة , و محاكمة الصالحين , والتضييق على شعبه , أقول بات مجرجراً بين الزنازين , وغرف التفتيش والمحاكمات يشاهده العالم عبر البث المباشر .

وشاهدنا كيف اختار الله للثالث النهاية التي تليق به , ورأينا ما قاله عن شعبه ..قال ثورة ثورة فثاروا عليه، و قال لهم أيها الجرذان فوُجد مختبئُُ في سرداب يليق به ليبقى أكبر جرذ في التاريخ ، و قال سنطاردكم في كل دار وبيت فما دار ولا حي إلا وطورد فيها ، وقال سنقتلكم ثم قتله شاب لا يتجاوز عمره الثامنة عشره , فما أعظم الله .

هكذا جرى حكم الله في الظالمين , فما حال الطغاة قديماً إلا كهؤلاء , ففرعون أغرقه الله في البحر , وبعد أن أغرق شعبه في الذل والهوان والعبودية , وأنكر وجود الله , وعظمته ..

وقارون خسف الله به وبداره الأرض حيث أعزى غناه لعلمه , وقوته , فكان هذا الغنى سبباً في أن يكون في أسفل سافلين في هذه البسيطة قبل البعث والنشور , ليرى الناس , ماذا هو فاعل بنفسه , وهل قدم لها شيئاً مقابل هذا الخسف ..

فيا من تقهقرت نفسه حين رأى انتفاش الطغاة , و يامن احترق فؤاده حزناً على نفوذ الجبابرة , و يا من مات كمداً حسرة على ما أورثه الظالمين من نقص في الأموال والأنفس والثمرات ... إنما هي بداية لنهايتهم , و إشارة لانكماشهم , و مشهد حاضر للتاريخ يصف هوانهم وذلهم ...

عن أبي موسى الأشعرى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته" قال : ثم قرأ :"وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيد"متفق عليه ..

 وكتبه
سعيد بن محمد آل ثابت

حينما (زللنا) .. ونحن (نعلم)

حينما (زللنا) .. ونحن (نعلم) هند عامر

في عام 1428 هـ كنت أصلي في جامع الدخيل خلف القارئ المبارك ياسر الدوسري,وقرأ حينها سورة  البقرة حتى انتهى إلى قوله تعالى:
(فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)
للوهلة الأولى .. تبادر إلى ذهني أن الشيخ ياسر أخطأ في تلاوة الآية ، فإن الصفات التي ختم بها الآية التي قرأها تبدو غير متناسبة مع ما قبلها

حسنا

تعالوا لنعيد قراءتها  سويا .. لتفهمو ما أعني
قال تعالى: (فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ..)
يفترض أن تكون النهاية (غفور رحيم) أو (شديد العقاب )
لأن (الزلل) جاء (بعد العلم) وليس جهلا ، لكن الشيخ ياسر قرأ (عَزِيزٌ حَكِيمٌ)
(فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)

ركبت السيارة وسألت مرافقي: هل أخطأ الشيخ ياسر اليوم؟
قال: لم أسمع شيئا من هذا, ما هي الآية التي تعنينها
فقرأت عليه الآية
قال: لا أدري, لكنني لم أسمع أحدا يصححها له.

وكنت في ذلك الحين  أعمل في الفترة المسائية
وبقيت طوال المسافة بين المسجد و مقر عملي وأنا أفكر
لم يسبق أن مرت علي  آية تحدثنا بهذا الوضوح عن عقوبة من زل وهو يعلم, - ومن منا لا يفعل - فلما سمعت هذه الآية انخلع قلبي, فلا أدري هل يغفر الله لنا زللنا, أم تكون النهاية (عقاب شديد)
وما أن دلفت إلى المؤسسة حتى توجهت إلى مكتبي في عجل وفتحت جهاز الحاسوب ثم برنامج البحث في القرآن وبحثت عن الآية ، فعجبت حينما تأكدت أن الآية (صحيحة) .
ونظرا للعمل المتراكم كان من المتعذر أن أترك ما بيدي وأبحث في كتب التفسير

فلما عدت للمنزل
لم أضع رأسي على الوسادة حتى قرأت تفسير الآية في كل التفاسير التي لدي الورقية منها والإلكترونية
فقرأت أنه حكيم في صنعه لأنه يعرف من يستحق العقوبة على الزلل ومن لا يستحق.
وهز قلبي جملة  قرأتها للقرطبي يقول فيها:
(وفي الآية دليل على أن عقوبة العالم بالذنب أعظم من عقوبة الجاهل به)
الله المستعان

  ما أورده القرطبي ترك في قلبي كسرا مازلت أتحسسه منذ تلك السنة حتى ساعتي هذه
بل وذكرتني مقولة القرطبي بموقف رواه لي شقيقي

قال: التقيت يوما رجلا من الجنسية الهندية وهو مسلم, فاختلفنا في أمر
فقلت له مفاخرا: أنا سعودي من أرض الحرم وأشهر العلماء من أهل السعودية, وأنتم تطوفون بالقبور وتتبركون بالأموات.
فقال الهندي: بل أنتم أيها السعوديون أكثر أهل النار, ونحن سيغفر الله لنا وسيدخلنا الجنة.
فأنتم تعصون الله فتسمعون الأغاني وتكذبون و....و...... وأنتم تعلمون
ونحن نطوف بالقبور ونتبرك بالأموات و...و.... لكننا لا نعلم
فسيعاقبكم الله على خطأكم لأنه على علم, و سيغفر لنا جهلنا .
ويظهر أن الرجل الهندي
لا يعرف الفرق بين الأمور العقدية القادحة المخرجة من الملة و بين الكبائر التي لا تخرج من الملة
لكن لولا خشيتي من التقول على الله.. لقلت:
أن الله أنطقه بـ(حق)
لو (وعيناه) لصلحت أحوالنا.
فهل بعد هذا سنزل, ونحن نعلم أم سنردد كما ردد عمر بن الخطاب:
( انتهينا.. انتهينا )

 سبحانك اللهم وبحمدك.. أشهد أن لا إله إلا أنت..أستغفرك و أتوب إليك
ما وافق الحق من قولي فخذوه .. وما جانبه بلا تردد اجتنبوه

حقوق النشر للجميع
كتبته: هند عامر

الأربعاء، 9 نوفمبر 2011

الحلقات من 1 الى 15 من كنت أظن . . ولكني اكتشفت . . فقررت!!

كنت أظن . .  ولكني اكتشفت . . فقررت!! (سلسلة حلقات أهدي فيها تجاربي لأبنائي زوار هذا الموقع الطيب)
أبو مهند القمري

 بسم الله الرحمن الرحيم
. . الحلقة الأولى . .

 كنت أظن . .
أن جدية الالتزام لابد أن تكون هي السائدة على مظهري الخارجي كإنسان ملتزم، حتى لو ذهبت الابتسامة لا إرادياً من وجهي، وصار عبوساً!! فالمهم أن يراني الله جاداً حازماً في تصرفاتي وأقوالي، وليس المهم أن يرضى الناس عني، فرضى الناس غاية لا تدرك!!

 ولكني اكتشفت . .
ان الابتسامة وبشاشة الوجه هما أسرع طريق لكسب القلوب!! وأن معظمنا كملتزمين قد شوهنا صورتنا بهذا العبوس القاتم الذي توهم بعضنا أنه دليل على جدية وحزم الالتزام، وفاتنا أن نعلم أن الجدية رفيقة النية تماماً كظلها (ومحلهما القلب)!!

فمن كان جاداً في التزامه، صادقاً في توجهه إلى الله ، راغباً فيما عند الله؛ فليُري الله من نفسه خيراً؛ بجديته سراً في حفاظه في قيام الليل، وجهراً بإدراكه تكبيرة الإحرام في الجماعة، وبذل المعروف للناس، وكف الأذى، والتفاني في صنائع الخير للآخرين، حيث لن يكون الدافع الحقيقي بالفعل وراء القيام بذلك كله؛ سوى المصداقية العالية، والإخلاص الحقيقي، والجدية الفعلية في التوجه إلى الله والدار الآخرة، وما أجمل أن يكلل الشاب الملتزم - الذي أظهر لله مصداقيته وجديته في القيام بهذا كله – نجاحه بأن يرسم الابتسامة على شفتيه، حيث لا تعارض بينها وبين الجدية البتة!! وإنما هي والله في وجه أخيك (صدقة) ويرسم البشاشة على ملامح وجهه، فهي والله في وجه الناس (دعوة)!!

 فقررت . .
أن أجعل الابتسامة وبشاشة الوجه لي عنواناً كمسلم ملتزم؛ حتى آخذ بقلوب الخلق إلى الله، وأغير الصورة المشوهة عن الملتزمين في أذهان عباد الله، وأحبب الناس في أهل دين الله - لا لشيء - سوى لأنهم تجار آخرة، ليس لهم بضاعة سوى هداية الناس إلى الله، فكيف يبغضهم الناس إلا بسببٍ دسيس وغريب على تصرفاتهم، ولا يتوقع أبداً أن يصدر من أمثالهم ألا وهو - العبوس والتنفير – الذي ما عرفه وجه النبي صلى الله عليه وسلم قط، إلا تمعراً حال انتهاك حرمات الله، أما دون ذلك، فقد كان ذا الوجه الأنور . . البشوش الأجمل (صلى الله عليه وسلم).

 بسم الله الرحمن الرحيم
. . الحلقة الثانية . .

 كنت أظن . .
أن كل ما يتلفظ به من سمتهم الالتزام أمر لا يقبل النقاش أو التدقيق أو التمحيص، حيث أنهم أهل الدين الحريصون على نشر تعاليمه، ومن المستحيل أن يتلفظوا بشيء وهم على غير دراية به!!

 ولكني اكتشفت . .
أن السمت الظاهري وإن كان أمراً هاماً للملتزم، يعينه على الاستقامة باتباعه لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن نسبةً ليست بالقليلة ممن سمتهم الالتزام تعتبر من العوام الذين التحقوا بأهل الدين لإصلاح أنفسهم، كما أن الأغلبية من هؤلاء الملتزمين هم من طلبة العلم الذين لا يزالون يجتهدون في السير على الطريق، ولكنهم ليسوا بعلماء، أي أنهم لم يرتقوا بعد إلى المرتبة التي تؤهلهم للتصدي للفتوى أو إصدار الأحكام ، لذا تجد الكثير من عوامهم يتناقلون أحكاماً أو أحاديث لم يتوثقوا من مصدرها من أهل العلم الثقات، فيتناقلونها بين الناس، فيعتقد الناس صحتها؛ لأنها صدرت عمن ظاهر سمتهم الالتزام، فينشرون الجهل وليس العلم بين الناس، ويفقدونهم الثقة في أهل الدين!!

 فقررت . . 
ألا آخذ العلم إلا من أهله المشهود لهم بالعلم والثقة، وهم والحمد لله كثير في الأمة، وذلك عملاً بقوله تعالى : (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) وقوله تعالى : (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، لعلمه الذين يستنبطونه منهم . . الآية) كما قررت أن أوضح للناس صحة الأحاديث التي أنقلها لهم؛ حتى أعطيهم نموذجاً عملياً في تعظيم شعائر الله، وأنه لا ينبغي لأحد أن يقول في دين الله إلا بعلم، لأنه الوحي المنزل من عند الله، ويجب علينا تعظيمه، فيحجم الناس عن القول عن الله وروسوله (صلى الله عليه وسلم) بغير علم، فينتشر العلم وينحسر الجهل بإذن الله.

 بسم الله الرحمن الرحيم
. . الحلقة الثالثة . .
(الأسرة)

 كنت أظن . .
ول التزامي أنه يجب علي إزالة جميع المنكرات التي في منزلنا وعلى الفور!! فلا تلفاز . . ولا صور . . ولا أصوات موسيقى . . ولا تهاون في خروج شقيقتي دون حجاب، حتى ولو أدى ذلك إلى حرمانها من التعليم، بل ولا يمكن لها القيام بالرد على الهاتف، ولا . . ولا . . ولا . . !!

وسوف أصر على تنفيذ كل قناعاتي؛ حتى ولو وقف جميع أفراد أسرتي في وجهي بما فيهم أبي وأمي!! وحتى لو أصابني من البلاء ما أصابني، فهو جهاد في سبيل الله، ولكم أوذي النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته في سبيل الله، فصبروا لأن أمر الله فوق كل شيء ولابد أن ينفذ!!

فأقمتها ثورة على كل ما في البيت من منكرات، كانت حصيلتها تخريب 3 أجهزة تلفاز، وتمزيق كافة الصور المعلقة في الحجرات، وتقطيع ملفات أخي الأكبر - مؤلف المسرحيات الشهير - حيث كان يدونها فقط بخط اليد، إذ لم يكن هناك وقتها حاسوب آلي لحفظ الملفات الخاصة بفصول تلك المسرحيات!! فأتربص بباب غرفته حين ينساه مفتوحاً ويخرج؛ فأقوم بالدخول خلسة لتمزيقها عن آخرها؛ قبل موعد تسليمها للمنتج!!
هذا بالإضافة (لعمل فيلم رعب على سلم المنزل؛ لتطفيش القسيس الذي كان يزور جيراننا النصارى بالدور السفلي، حيث خططت مراراً؛ لكي أسمعه صوت قفاه أيضاً على السلم، ولكني لم أتمكن)!! وفي مقابل كل هذه التصرفات والأعمال تلقيت عدداً لا بأس به من العلقات الساخنة من والدي وإخواني الكبار، فلم تزدني والله إلا إصراراً على تنفيذ مخططاتي أو أهلك دونها!! أليست جهاداً في سبيل الله؟!

 ولكني اكتشفت . .
أنني أفسدت كثيراً وما أصلحت!! بل وأقمت بيني وبين أفراد أسرتي ألف حاجز وعائق نفسي!! جعل البعض منهم يظنون تحت ثورة حماسي الهائج والمفاجئ؛ أنني قد فقدت عقلي، أو أصبت بشيء من مس الجن أو السحر!!

أو على أقل تقدير وقعت تحت تأثير بعض الجماعات المشوهة فكرياً؛ فقامت بعمل غسيل مخ لي كما يقال!! وبدلاً من أن تكون أمامي مهمة واحدة سهلة وميسرة - تتمثل في أقناعهم بالحسنى وبالأسلوب الطيب بما استقر لدي من قناعات جميلة، ومدعومة بالأدلة القاطعة من قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم - ومن المأمول فيهم كمسلمين قبولها؛ لاسيما إذا ما صاحبها الأسلوب المقنع، والحكمة في الحديث، أصبحت أمامي مهمتان أحدهما كالجبال في ثقلها، وهي إزالة هذه الحواجز النفسية الغريبة التي أقمتها بتصرفاتي الهوجائية، والتي جعلتهم يتشككون في قدراتي العقلية، ويطلقون عليَّ حكماً إجمالياً بأنني لست على ما يرام، وأن عليهم معالجتي أولاً مما أصابني؛ حتى أعود إلى طبيعتي!!

وبالطبع فهم لا يدرون كم سيستغرق ذلك!! حتى يقتنعوا تماماً أنني عدت لرشدي، ويمكنهم سماع مقولتي، ولكن المصيبة تكمن في أنني أقرنت حالة الطيشان تلك بقال الله وقال رسوله (صلى الله عليه وسلم) وبالتالي كلما هدَّأت معهم الأجواء، وعدت لأحدثهم بما أريد، ثم عرفوا أن مضمون كلامي يحوي مجدداً قال الله وقال رسوله (صلى الله عليه وسلم) ظنوا أنني لا زلت أعاني من حالتي النفسية السابقة، فأيقنت بالفعل أنني قد أحدثت كارثة بسوء تصرفاتي، وأقمت حاجزاً فولاذياً أمام سماعهم لنصائحي!!

 فقررت . . 
أن أصدق في تطبيق الإسلام على نفسي أولاً – ظاهراً وباطناً - وأن أخلص لله في نيتي لدعوتهم، بحيث تكون نابعة بالفعل من واقع حبي لأسرتي، ورحمتي بها، وحرصي وخوفي عليها من عذاب الله تعالى يوم القيامة!!

فجعلت لسان حالي يغني عن لسان مقالي، بما كان من حسن الخلق، وجميل التصرفات، وإكرامهم بالهدايا والعطيات، وتقديم العون والمساعدة لهم على اختلاف أنواعها، وكانت حاجة أبي وأمي بالطبع مقدمةً على غيرها، وصار دخولي المطبخ لمساعدة الوالدة حال تغيب الخادمة، مجال تسابق بيني وبين إخوتي، ، لعل أي منا ينال من دعواتها ما يشرح صدره؛ بعدما كنت أدخله سابقاً بالضرب مرغماً على تنظيفه!!

فصبرت وصبرت ثم صابرت على ذلك كثيراً، حتى كان هذا السلوك وحده أكبر عامل جذب لهم لمعرفة السر الكامن وراء هذا التغيير إلى الأفضل!! ففتح الله مسامع القلوب لذكره وأوامره!! وصدع صوت القرآن في أرجاء منزلنا بديلاً عن مزامير الشيطان وملاعنه!!

وعشعش العنكبوت على تلفاز منزلنا زهداً في مشاهدة مفاسده!! بعدما تعلقت قلوبهم بالحكايات والقصص التي كنت أتعلمها وأحكيها!! وصار النقاب، وليس الحجاب فحسب؛ سمتاً لجميع بنات عائلتي (حتى بنات الأعمام والعمات) بعدما كان مجرد حجاب شقيقتي أسمى أمنياتي ومنتهى أحلامي!!

ليصدِّق الواقع على قول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم : (إن الرفق ما كان في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شأنه).

وفي حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :  (إن الله عز وجل ليعطي على الرفق ما لا يعطي على الخرق)

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :  (من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير، ومن حرم حظه من الرفق حرم حظه من الخير).
فالإنسان الأخرق هو الذي فيه حماقة، وفيه تهور، وفيه اندفاع، وفيه طيش، وفيه عنف!!
هذه تجربتي بين أيديكم إخواني، فهلا كان لكم فيها من الموعظة ما يكفي ؟!

 بسم الله الرحمن الرحيم
. . الحلقة الرابعة . .
(واقعية الفهم)

 كنت أظن . .
أن الهموم والقضايا التي تحيط بالمسلم، ابتداءً بما يحمله من هموم آخرته، وما فيها من أهوال وشدائد، ومروراً بهموم دنياه وما يواجهه فيها من فتن ومصاعب، ووصولاً إلى هموم أمته، وما نزل بها من نكبات ومصائب؛ كفيل بألا يجعل إلى قلب المسلم سبيلاً للترويح والمزاح!! وبالتالي فحياة الملتزم غالباً ما يسيطر عليها الهم والحزن!!

 ولكني اكتشفت . .
أن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي نزل عليه الوحي بثقله، وحمَّله أعظم الهموم وأجلها، متمثلة في تأدية أمانة تبليغ الرسالة التي كلفه الله بها، ناهيك عن كونه قد رأي الجنة ونعيمها!! والنار بأهوالها رأي العين!! وهذا وحده كفيل بأن يذهب بعقل أي واحدٍ منَّا!!

غير أنه على الرغم من ذلك؛ كان يعلمنا كيف نتعامل مع بشريتنا بواقعية متميزة، بل ونهانا عن توهم إمكانية العيش كملائكة، وذلك من خلال عتابه للصحابي الجليل حنظلة الأسيدي رضي الله عنه، حينما اتهم نفسه بالنفاق؛ لمجرد أنه كان إذا انصرف من عند النبي صلى الله عليه وسلم داعب الأهل والأولاد!!

فعاتبه (صلى الله عليه وسلم) قائلاً : (يا حنظلة ساعة وساعة) وكررها ثلاثاً!! كما أنه كثيراً ما كان يداعب صحابته للترويح عن نفوسهم (البشرية) حتى قالوا له فيما رواه الترمذي : يارسول الله إنك لتداعبنا!! فقال : "إني لا أقول إلا حقاً" فها هو (صلى الله عليه وسلم) يمازح بلالاً حين أراد أن يضحي بكبش، فلم يجد إلا ديكاً، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم هل يجزئ عنه، فقال له صلى الله عليه وسلم : (أيضحي مؤذن بمؤذن)؟!

وهذه امرأة تسأله أن يعطيها بعيراً لتركبه فقال لها : "أحملك على ولد الناقة" فتعجبت!! ما تصنع بولد الناقة، قال لها : "وهل تلد الإبلَ إلا النوقُ؟!"

وسأل امرأة ذات مرة : أزوجك الذي في عينه بياض؟! فقالت : عقرى أي (يا ويلي) فقال لها (صلى الله عليه وسلم) : "وهل من عين إلا وفيها بياض"؟!

بل وتصفه حبيبته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين سُئلت عن حاله إذا خلا في بيته (صلى الله عليه وسلم) فقالت: "كان ألين الناس وكان رجلاً من رجالكم إلا أنه كان ضحاكا بساما"

هذه الأمثلة وغيرها، تؤكد على إدراك النبي صلى الله عليه وسلم التام لطبيعة النفس البشرية، وتعطي نماذج عملية، بل ومثالية في كيفية التعامل معها، ففي النفس بواعث الفرح والحزن، والضحك والبكاء، والحب والبغض، والرضا والغضب، والحماسة والخوف، فكان من البديهي أن يتيح لها منهج الله الشامل الوافي نصيبها المقسوم من التفاعل الطبيعي مع كل ذلك (كنفس بشرية) ولكن في إطار توجيهات وسطية دونما إفراط أو تفريط، وكل من يتوهم عكس ذلك فهو واهم، أو إن شئت فقل، لم يبلغ وعيه القدر الكافي بشمولية هذا الدين!!

 فقررت . . 
أن أعيش بدين الله كما أراده الله لي (كنفس بشرية) منسجماً بهذا التوازنٍ التام بين ما أملك من الصفات البشرية، متفاعلاُ بمتطلباتها في حدود من الأطر الشرعية، وبين ما أواجهه من الأحداث الدنيوية، متفاعلاً معها بقلب المسلم (القدوة) الذي يرشد الناس (بأفعاله) لا بمجرد أقواله فحسب إلى التصرف الصحيح في كل موقف، وكذا بين ما أرجوه من التطلعات الأخروية، بإخلاص القلب لله، وتحويل كل عمل دنيوي بالنية الصادقة إلى عبادة أخروية!!

فأخالط الناس مبتسماً ضحوكاً، وأكون بحكمتي قريباً منهم، وفي كل مواقفي وأطروحاتي مؤثراً لا متأثراً، وأتفاعل مع قضايا الأمة، ولكن دون إتاحة الفرصة للهموم لكي تهزمني، وإنما أبعث بها مع أول تنهيدة عبر الأمال العريضة إلى آفاق الوعد المحتوم بنصر الله تعالى لهذا الدين، دونما تقاعس عن بذل كل ما في مقدوري من النصرة، ولو بالدعاء بظهر الغيب لإخواني.

وهكذا لو تفاعل المسلم مع كل ما يعترضه من أحدث من خلال هذا المنظور الواقعي للتفاعل الإيجابي بمنهج هذا الدين، سواءً مع نفسه أو مع البيئة المحيطة به، فلن يعرف البؤس إلى حياته طريقاً!!

بل سوف يشعر بسعادة بالغة تغمر حياته، هذا إلم يفاجأ يوماً من الأيام بأنه قد صار بحكمته وسعة صدره؛ مصدر السعادة للكثيرين من حوله!!

إن تصويب المسلم بصره نحو آخرته، وثبات أقدامه على طريق رضوان ربه، وتذليل الصعاب أمام مسيرته بما كان من هدي نبيه، لهو المنهج الشامل الذي يجعل المسلم يحترف كيف يتفاعل بهذا الدين، روحاً وقلباً، جسداً ونفساً، مشاعراً وعقلاً، عزلة واختلاطاً، فرحاً وحزناً، يسراً وعسراً، ليجعل من مسيرته كلها، أفضل رحلة إلى الله والدار الآخرة!!
تماماً كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم

 بسم الله الرحمن الرحيم
. .  الحلقة الخامسة  . .
(الحيُّ لا تُؤمن عليه الفتنة!!)

 كنت أظن . .
أن الشيوخ والدعاة الذين كنت أستمع إلى خطبهم، وأتابع دروسهم متأثراً بمواعظهم الروحانية التي كانت تخترق بروعتها مسامع القلوب، وتلامس أعماق النفوس؛ لما فيها من معاني الصدق والإخلاص، حيث لا يواجه أحدنا كثير عناء؛ كي يستشعر بالفعل أنها قد خرجت من القلب إلى القلب . . هم فوق مستوى الزلل أو الوقوع في أي مخالفة شرعية!!

وأن رأيهم دائماً هو الصواب الذي لا يحتمل بإذن الله الخطأ!! إذ كيف يمكن لأمثالهم ممن يُلقون تلك المواعظ المؤثرة، والخطب المجلجلة، أن يزل أو يخطئ، وهو الذي يعظ الناس ويرشدهم؟!

وبالتالي كنت من أشد الناس حماساً في الدفاع عن آراء مشايخي الفقهية، ووجهة نظرهم الفكرية، وهكذا كان الحال مع أقراني!! حيث كان كل منهم يتعصب لشيخه، ولا يقبل عليه نقضاً؛ حتى كاد بعضهم أن يقول (ما صحَّ عن شيخي فهو مذهبي!!) وهكذا كان النقاش يشتد ويحتدم بيننا، كلٌ ينتصر لرأي شيخه، حتى وقع في مسجدنا النزاع، وتفرقت القلوب، وعمَّ الفشل ساحتنا الدعوية!!

 ولكني اكتشفت . .
أن المنطق يقتضي بأن جميع الدعاة على اختلاف مدارسهم ومناهجهم، وتفاوت علمهم وفضلهم لا يعدون كونهم بشراً غير معصومين، بل إنهم يصيبون ويخطئون، شأنهم في ذلك شأن كافة البشر، وأن الجميع بمن فيهم صفوة السلف الصالح رضوان الله عليهم، والأئمة الأعلام (يؤخذ منهم ويرد) ولا معصوم إلا قول النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذا لا يتنافى أبداً مع فضل العلماء ومنزلتهم، أو يقلل عياذاً بالله من شأنهم، حيث أنه من البديهي توقير أهل العلم الصحيح عامة، ورفعهم المكانة اللائقة بشرف ما يحملونه من العلم؛ وهذا أيضاً لا يتنافى مع كونهم متفاوتون في سبقهم للعلم والفضل، كلٌ بحسب ما رزقه الله، وفتح عليه من فيض علمه وحكمته، وما آتاه من الفقه والبصيرة.

إلا أن حماسة حديثي العهدٍ بالالتزام، تفقدهم كثيراً من الحكمة والروية في تقييمهم للأمور!! حيث سرعان ما تنزلق بهم الأقدام بسبب العاطفة الزائدة في منزلق (الحب للشيء يعمي ويصم!!) فيطلقون سيل اتهاماتهم على مخالفيهم، تارة بالجهل وأخرى بالتبديع وثالثة بالتفسيق!!

وكل هذا ظناً منهم أن مرجعيتهم في إصدار هذه الاحكام التي أصدروها، هم مشايخهم الذين تعلموا منهم، وبالتالي فهم على الحق المبين!!

ولعمري لو رجعوا إلى هؤلاء المشايخ؛ وسألوهم عن تلك الأحكام الجائرة التي أصدروها نيابة عنهم في حق إخوانهم المسلمين؛ لتبرأوا منها على الفور، وهذا في أغلب الظن!!

حيث أن حسن ظننا في علمائنا ودعاتنا أنهم ولله الحمد دعاة توحيدٍ ولم شملٍ للأمة، وليسوا دعاة تفريق . . ودعاة إنصاف، وليسوا بدعاة قذف وتجريح . . ودعاة تقديم حسن للظن بالمسلمين، وليسوا دعاة رجم بالغيب وسوء ظنٍ بالمسلمين!!

أما من خالف هذا المنهج الذي ربى عليه النبي صلى الله عليه وسلم صحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وجعل من نفسه حكماً على بواطن غيره من الدعاة، وقدح في عقيدتهم دون دليل أو برهان، وأوغر صدور المسلمين بعضهم على بعض، وأشاع في الساحة مناهج التفريق والتشرذم؛ تحت مطية نبذ البدعة، ومخالفة أهل الزيغ والضلال، وكل هذه العبارات التي يستخدمونها كمفرقعات في وجه كل من خالفهم، أو لم يوافقهم على هذه المهزلة التي ذاع صيتها في الساحة وللأسف الشديد، حتى جعلت المسيرة السلفية موضع شماتة حتى من حسالة العلمانيين والليبراليين!! . . فقد حاد عن الجادة!!

والمصيبة أن سياط ألسنتهم لم تكتف بأقرانهم من المعاصرين فحسب؛ بل تعدتها بالقدح في عدد كبير من علماء أهل السنة والجماعة السابقين، ممن هم مشهودٌ لهم بالعلم والفضل، حتى وصل الحال بسلاطة ألسنتهم إلى القدح في بعض أهل العلم من السلف الصالح، والتشكيك في نسبة مؤلفاتهم من أمهات الكتب إليهم، واتهامهم بالتدليس والكذب!!  

 لذا فقد قررت. .
أن أعرف الرجال بالحق، وليس الحق بالرجال، فالحي لا تؤمن عليه الفتنة، وذلك لأن التجارب التي مرت عليَّ طوال ثلاثين عاماً من العمل الدعوي، كانت كفيلة بأن تظهر لي نماذج غريبة، ما كنت لأتصور وجودها على أرض الواقع، لولا أني عاينتها بنفسي، وللأسف ألقت بتبعاتها (سلباً) على الدعاة والدعوة، وأذكر منها على سبيل المثال لا الحصر :  

1 -  رأيت من الدعاة من يبدأ مسيرته باعتدال ووسطية، فإذا ما رأى من كثرة الاتباع والأشياع، تسرب إلى (نفسه البشرية) في لحظة ضعف أو تدني إيماني أو غفلة شعوراً لا إرادياً بالتميز والسبق، فينعكس ذلك على منهجه الفكري، فيطرحه في الساحة بأسلوب يضمن له عدم انصراف الاتباع لغيره، حيث يجعل فيه من الحواجز النفسية ما يمثل (حقن تطعيم) لأتباعه، حتى لا يسهل عليهم الانفلات منها، وقبول غيرها من المناهج!!

ولا يفوته أن يحيط ذلك المنهج بهالة من الترهيب النفسي الغير مباشر!! كأن يختم تعليقه على تقييم منهجه ببعض العبارات الرنانة، مثل : (وهذا ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، فمن خالف ذلك المنهج فهو إلى البدعة أقرب!!) ثم تفاجأ مع مرور الأيام، وتغير موازين الأحداث في الساحة، أنه كان أول المخالفين لمنهجه، حيث هبت رياح لا يستطيع مجارتها بفكره المتحجر؛ نظراً لاصطدامه الرهيب بالواقع، فيلين مع الموجة ولسان حاله يقول : (يارب سترك بألا يتذكروا ما كان من سابق قولي!!)

2 -  ورأيت دعاة قامت لهم الدنيا ولم تقعد، والتفت حولهم جموع غفيرة من الناس، ليس من المتدينين فحسب، بل حتى من عوام الناس!! فإذا بهم ينقلبون ما بين عشية وضحاها رأساً على عقب!! وبزاوية (180 درجة) فإذا بالأمر يتضح أن أمن الدولة هو من كان يقف وراء هذا اللعبة القذرة، حيث كان يرمي من خلالها لربط فكرة أو ظاهرة (الالتزام) بأشخاص بعينهم، ثم يقوم بإسقاطهم على حين غرة، لتسقط معهم تلقائياً الفكرة أو الظاهرة!! وبالفعل فقد فتن بهذا الدمية خلق كثير، وقطاع عريض، وبالأخص من عوام الناس!!

3 -  ورأيت أيضاً من الدعاة شيخاً كبيراً كان يتهم كل معارضيه بأن لديهم ميولاً تكفيرية!! حتى اجتمع عليه جمع كبير من الشباب، وصار موضع إشارات البنان!! فلما ظهر شيوخ السلفية بتأصيلهم الرائع، وعلمهم المرجعي، وشعر بكساد تجارته، حيث لم يكن لديه من العلم الشرعي ما يجاريهم به، وهم من أمثال الشيخ / أبو إسحاق الحويني، والشيخ / محمد إسماعيل حفظهما الله تعالى، انقلب على رأسه كذلك بزاوية (180 درجة) وصار صاحب أكبر مدرسة تدعو للفكر التكفيري جهاراً نهاراً، فقط لكي يشبع لدى نفسه الشعور بأنه شيخ كبير، وله جمع من الاتباع كثير، ممن استهوتهم ميوله التكفيرية!! والحمد لله، فلم يلبث الأمر يسيراً حتى اندثر فلم يعد له ذكراً؛ حيث أنه ما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره انقطع وانفصل!!

هذه التجارب وغيرها الكثير، تجعلني أهدي نصيحتي لإخواني وأبنائي، بقلب ملؤه اليقين والسكينة والطمأنينة، أن تعلقوا بمنهج الله الحق وحده، فالحي لا تؤمن عليه الفتنة، وليكن تعظيمنا لعلمائنا ودعاتنا بقدر تمسكهم بهذا الحق، فها هو صديق الأمة يؤصل لها قاعدة ذهبية عبر التاريخ قائلاً :  (أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم!!)

ولم يشترط عليهم أن يكونوا طلبة علم أو مقلدين أو عوام، إذ أن الحق يخاطب الفطر السليمة، دونما أي موانع أو حواجز، ولطالما بذل أهل الباطل من محاولات لطمسه، فهل أفلحوا؟! وذلك لأن الله يأبى إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون!!

وتذكروا دائماً أننا نتقرب إلى الله بحب الحق وأهله، وفي مقدمتهم علمائنا ومشايخنا الأفاضل (حفظهم الله تعالى) لأنهم من علمونا قواعد اتباع هذا الحق، وهم جميعاً إخوة متحابين في الله - ولله الحمد والمنة - ولكن نظراً لأن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، كان لابد من هذا التذكير الذي يجلي عن النفوس تعصباتها العاطفية، ويجردها للحق والحق وحده . .
حيث أن الحي لا تؤمن عليه الفتنة

 بسم الله الرحمن الرحيم
. . الحلقة السادسة . .
(غير المسلمين بين الدنيا والدين)

 كنت أظن . .
أن التوصيف الحقيقي لغير المسلمين من كافة الملل والنحل، لا يخرج عن كونهم (أنعامٌ بَل هُم أَضَل) ولا غرو في ذلك، حيث أنه الوصف الذي نعتهم به الله عزَّ وجلَّ في كتابه، وبالتالي فكل ما يأتينا منهم؛ لا يمكن أن يكون موضع اعتبار، ولا تقييم، ولا تدقيق، ولا تمحيص، وليس فيه مظنة الاستفادة ، ولا يستحق النظر إليه، أو التفكير فيه، فضلاً عن توصيف الجيد من اختراعاتهم وسلوكياتهم بالجيد، ولا الشيء الممتاز بالممتاز، لأن خلاصة أمرهم أنهم أنعااااااااااااااااااام وانتهى البيان!!

 ولكني اكتشفت . .
انه حين عرض القرآن الحديث عن أهل الشرك والكفر، وصف عقيدتهم الفاسدة بالضلال، وبالتالي فالإنسان الذي أعطاه الله كل وسائل التفكير والإدراك، ولم يتعرف على خالقه، ومعبوده الحق، فهو بالفعل في منزلة أحط من الأنعام!!

أما حين يعامل الله الخلق بعدله، ويعطيهم نتائج أخذهم بالأسباب – مسلمين كانوا أم غير مسلمين – فإنه لا ينبغي لنا كمسلمين أن نكون دائماً في المؤخرة، متخلفين عن غيرنا في الأخذ بأسباب عمار هذه الحياة التي أوجدنا الله على ظهرها؛ ليبلونا أينا أحسن عملاً بحجة أنهم ضالين وكالأنعام!!

وعمار الدنيا هنا (أعني به جميع مجالات الحياة، وليس مجال التعبد فحسب) فإزالة الأذى عن الطريق صدقة، وغرسك للنخلة صدقة، والارتقاء بمرافق الحياة كلها يمكن أن يكون من خير العبادات لو صلحت النية في ذلك لله!! حيث يعلم جميعنا علم اليقين أن الإسلام دينٌ شاملٌ لكل مناحي الحياة، ولكننا وللأسف إذا ما نظرنا إلى واقع أمتنا المرير؛ وجدنا انفسنا دائماً في مؤخرة الركب!!

حيث أعاقنا عن تبوأ المقدمة سوء فهمنا لديننا!!

وأكبر دليل على ذلك، أنه كلما واجهنا سؤال عن السبب وراء تأخرنا وتقدمهم علينا في كافة الجوانب العلمية والبحثية، بادرناه باستدلال في غير موضعه، إنهم كالأنعام، وأنهم لا يعلمون سوى ظاهراً من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون!!

وفاتنا العلم بأن سلف أمتنا وعلماءها، كانوا هم والله قادة العالم في الدنيا وفي الدين!!

ودعني هنا أبعثها إليكم اليوم عاصفةً مدويةً، أنني أتحدى، وبعد بحث وتدقيق كبير، قام به خبراء على أعلى مستوى (بل ورصدوه في مراجع هامة) أن يكون الغرب صادقاً في نسبته لأي اختراع من الاختراعات التي ادعى في السابق أنهم من اخترعها أو من قاموا باكتشافها!!

حيث كان المخترعون الأصليون لها هم المسلمين!! حتى اكتشاف أمريكا التي أقاموا الدنيا ولم يقعدوها، مدعين بأن المنصر الحاقد كولومبوس هو الذي اكتشفها، ثبت علمياً من خلال الدراسات والأبحاث الدقيقة، أن مسلمي الأندلس هم من أرشدوه إليها، حيث اعتادوا الإبحار إليها جيئة وذهاباً منذ زمن بعيد!!

لذا تجد أن حرصهم كان شديداً على سرقة المكتبات عند أول وهلة لغزوهم أي بلد من بلاد المسلمين؛ وذلك لأنهم وجدوا فيها موائد عليمة جاهزة من الأبحاث والخبرات والتجارب، بذل فيها علماؤنا مهجتهم، في الوقت الذي كانوا هم فيه يرزخون وسط ظلمات الجهل والضلالة، فإذا بتلك الاختراعات تقع بين أيديهم سهلةً ميسرةً، لتثمر على مدار الزمان الكثير والكثير من الاختراعات، ثم يتمادون في بجاحتهم بتدريسنا مناهج مغلوطة؛ تدعي نسبة تلك الاختراعات والاكتشافات إليهم ظلماً وعدواناً!!

 من أجل ذلك قررت . .
أن أسلط الضوء لإخواني وأبنائي على أن فهمنا للدين يجب أن يكون أكثر شمولية من مجرد النظرة العامة والسطحية التي تسود أفهام الكثيرين منَّا!!

فدين الله شامل للدنيا وللدين، والنية الموافقة للشرع مناط الأمر كله!!

فمن ابتكر شيئاً من أمور الدنيا؛ يسر به على الناس أمور حياتهم بنية صالحة، فإنه بإذن الله مأجور في الدنيا وفي الآخرة، وعليه فنحن بهذه النظرية الشمولية الجامعة الوافية أولى الناس بعمار الدنيا بالدين!!

كما أنه ينبغي علينا التفريق بين إنكارنا لكفر الكافرين، وبغضهم على ما هم عليه من الشرك والكفر بالله، مع تجديد الولاء لله ولأوليائه، والعداء لأعدائه في كل وقت وحين؛ لأنه أصل من أصول الدين، وبين استفادتنا من خبرتهم من أجل خدمة الدين!!

هذا فضلاً عن كوننا لو بحثنا لوجدنا أن كل ما يدعونه من أخلاق حميدة؛ كانت سبباً في ارتقاء مجتمعاتهم؛ كالنظام، والوفاء بالوعود، والدقة في المواعيد، وإتمام العمل على خير وجه مع التدقيق، هي أصلاً من صميم أخلاقيات ديننا، فكيف يسبقوننا إليها ونحن أهلها؟!

ثم ألا ترون أنه من العار بل ومن الخزي والبوار؛ أن ينعكس علمنا بأمور الدين إلى خبرة منكوسة حولت البعض منَّا إلى محترفين في تعليق الكسل والإهمال، بل والتواكل، وعدم الدقة في أداء العمل على استدلالات خاطئة، زعموا بسوء فهمهم أنها من الشرع والدين؟! لتكون المحصلة أن يمتلك أعداؤنا اليهود القنبلة النووية، ونحن لا زلنا في سباتنا راقدين!!
عيشوا أبناء الإسلام للإسلام بالإسلام، تسودوا والله الأنام!!

 بسم الله الرحمن الرحيم
الحلقة الثامنة
(الــنــــصر)

 كنت أظن :
أنه بمجرد التزامنا دينياً، وزيادة أعداد المصلين بالمساجد، وانتشار اللباس الشرعي بين النساء، وشيوع استخدام الألفاظ الشرعية، وزيادة الثقافة الدينية لدى عوام الناس؛ كفيل بتحقيق حلم الدولة الإسلامية التي تحكم بشريعة الله، وتمهد الطريق أمام الخلافة الإسلامية التي ستعم العالم بإذن الله، وأن النصر حليفنا لا محالة، وكيف لا؟ والله قد قطع على نفسه وعداً بنصرة من ينصر دينه من المؤمنين الصادقين، وخذلان من يخذل دينه من المنافقين والكافرين، وأن الأمر لا يعدو أبسط ما يكون!!

 ولكني اكتشفت . .
أن الطريق الذي رسمه الله لعباده؛ لتحقيق النصر الموعود، لابد أن يمر بمرحلتي (التنقية والتصفية) تماماً كما حدث في قصة طالوت وجالوت!!

فحين عرض طالوت على عامة الناس الانضمام للجيش؛ للقتال في سبيل الله، والذي كان بناءً على رغبتهم في الأساس؛ التحق منهم خلقٌ كثيرٌ!!

ولكن حين مرَّ بالنهر، ونهاهم عن الشرب منه (إِلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ) تراجع معظم ذلك الجيش !! فكانت مرحلة التنقية!!

وأخيراً حين وجدوا أنفسهم قلةً قليلة في مواجهة جيش جرار!!

تراجع البقية، ولم يتبق إلا قليل من قليل؛ هم من وثقوا بنصر الله ووعده؛ فكانت   مرحلة التصفية!!

ولقد رأيتُنا داخل السجون؛ يكاد بعضنا أن يحمد الله على أنه لم يشوه صورة الإسلام بتمكنيه لنا؛ ونحن على هذه الحال المخزية من النقص والعوار الذي بدا واضحاً جلياً على تصرفات الكثير منَّا!!  حيث لم يتميز بنقاء معدنه، وحسن مخبره وتزكية نفسه منَّا إلا قليل القليل!!

عرفت بأن الطريق ليس بهذه السهولة التي تصورتها!! وأنه لا يزال بيننا وبينه الكثير من مراحل التنقية والتصفية!!

 فقررت..
ألا أغتر في مسيرتي للدعوة إلى الله لا بأعداد ولا بأقوال!!

وأن أصوب نظري فقط نحو الأمل المنشود دوماً؛ بأن أكون من تلك الطائفة المنصورة، التي تميزت بنقائها وصفائها، وصدق اتباعها لمنهج ربها، وحسن التصاقها بجناب وليها، وهي فئةٌ قليلةٌ من صفوة قليلةٍ!!

ولن يكون ذلك إلا بسلوك الطريق المؤدية إلى اكتساب صفاتها مؤهلاتها، والتي لن تكون أبداً إلا في ساحات الثلث الأخير من الليل؛ لإمعان التذلل رجاءً في القبول!!

وفي الخلوة مع النفس؛ لتزكيتها، وإزالة الخبث عنها والشرور!!

وفي حلقات الذكر؛ طلباً للعلم المقرب إلى الله، وليس بغرض المباهاة والغرور!!

ثم في التطبيق العملي لما كان من ثمار القيام والتزكية وطلب العلم، في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، إنقاذاً للخلق من عذاب الثبور.

حيينها فقط نكون قد وضعنا أقدامنا على طريق النصر، آملين في عفو الرحمن والقبول!!

 بسم الله الرحمن الرحيم
 . .  الحلقة التاسعة  . .
 (قصور الفهم!!)

 كنت أظن . .
أنه يجب عليَّ كملتزم أن يكون أسلوب تفكيري مصاغاً حسب وجهة نظر المدرسة الفكرية التي أنتمي إليها، والتي إرتأيت في منهجها موافقةَ لمنهج الله (سبحانه وتعالى) الذي ارتضاه لعباده؛ وعليه . .

* فإن كنت سلفياً وجب عليَّ الاهتمام فقط بالعلم والتعلم، والبعد تماماً عن كل ما يتعلق بشؤون السياسية!!

* أما إن كنت إخوانياً فوجب عليَّ أن أكون مسلماً معاصراً، وأبرز ملامح ذلك هو الاهتمام بالسياسة والفعاليات الاجتماعية، حتى وإن قصَّر ذلك بي في تناول العلوم الشرعي، فلا بأس أن تأتي لاحقاً!!

* أما إن كنت جهادياً فحل جميع المشاكل بالسيف والسنان، والخلاص بقطع رأس الأفعي؛ المتسبب في كل هذا التردي والهوان، والبعد عن دين الله، وعلينا الاستمرار في درب الجهاد؛ حتى يدركنا نصر الله؛ وتقام الخلافة الإسلامية الراشدة من جديد !!

* وإن كنت تبليغياً، فبتزكية النفس والخروج في سبيل الله؛ لإصلاح النفوس والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، أما التفرغ للعلم وحلقات العلماء، فسوف يأتي بعد التزكية والتنقية بإذن الله!!

 ولكني اكتشفت . .
أن هذا التفكير ناتج عن قصور تام في الفهم لدين الله عز وجل!!  

حيث أنه دين شامل للعلم والتعلم، والسياسة والدعوة، والجهاد وتزكية النفس، وأن المنهج الذي ينبغي أن يسود أبناء الحركة الإسلامية كافة؛  هو نفس منهج سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، الذي كان شمولياً في جميع نظرياته وأفعاله!!

فقد كان صلى الله عليه وسلم معلماً ومربياً، وعالماً ومجاهداً، وسياساً حاذقاً، وداعياً إلى الله، وزاكي النفس طاهراً، لذا فقد تفاعل مع كل حدث بما يناسبه، وقاد الأمة خير قيادةٍ؛ حتى وصل بها إلى بر الأمان، وها هو الإسلام ينتشر في مشارق الأرض ومغاربها، وسوف يواصل الانتشار حتى قيام الساعة، وهذا أكبر دليل على شمولية هذا الدين!!

أما أن يحكر البعض أسلوب تفكيره في بعض جوانب الدين دون غيرها، فقد ضيَّق والله واسعاً، سيجعله لا محالة يصطدم برفض الواقع له!! بل قد يسفر عن ظهور نتاج شاذ؛ ينعكس سلباً على الدعوة والدعاة!!

تماماً كما رأينا من يدعي السلفية زوراً وبهتاناً، وهو يعتبر التجسس على مخالفيه من سائر الحركات الإسلامية الأخرى قربى إلى الله؛ باعتبار اعتقاده في حكام العار السابقين أنهم أولياء أمور المسلمين!!

فأخرج لنا هذا الفكر المنحرف مخبرين بأثواب قصيرة ولحى!! وكانت بداية الزيغ تتمثل في تلك التربية المبتورة التي أصلت فيهم البعد التام عن الوعي السياسي الذي يميز لهم عدوهم من وليهم؛ حتى ولو لبس ألف ثوب وثوب للتنكر، فهذا الوعي من تمام فهم شمولية هذا الدين!!

أو كما رأينا من يدعي نسبته للإخوان، وظاهر تصرفاته لا تمت إلى الالتزام بصلة!! ولكنه يتحدث عن أجندته الإسلامية!! وإذا ما سألته عن ذلك، نظر إليك شذراً، متهماً إياك بالتخلف والرجعية في فهم معاصرة هذا الدين للوقت الحاضر، وعدم فطنتك للمناورات السياسية!!

وكما رأينا أيضاً من دفعهم حماسهم الشديد للجهاد إلى القيام بأعمال في غير موضعها، كما أنها تفتقر إلى المرجعية الشرعية، والوعي السياسي؛ فأصابوا مسيرة العمل الدعوي في مقتل!! كقيام بعضهم في السابق بحرق أندية الفيديو والخمارات والأضرحة، مما أثار عوام الناس غضباً علينا، وتسبب في تأخر المسيرة عقوداً من الزمن!!

وكذلك ما رأينا من قيام بعض أهل التبليغ بالدعوة إلى الله بغير علم، فنشروا كثيراً من الأحاديث المكذوبة عن النبي صلى الله عليه وسلم!! وعلى الرغم من يقيننا بحسن نيتهم، إلا أن دين الله لا تفترق فيه النية الطيبة عن الموافقة للشرع أبداً؛ حتى يكون العمل عند الله مقبولاً!!

 لذا فقد قررت. .
أن أفهم ديني بشموليته، كما أمرني بذلك الله عز وجل، ونبيه صلى الله عليه وسلم!!

قال تعالى : (اليومَ أكملتُ لكمْ دِينَكمْ وَأتتمّتُ عليكمْ نِعمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلامَ ديناً) المائدة

وقال صلى الله عليه وسلم : (تركت فيكم ما إن تمسكتم به؛ لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنتي) الحديث

فأعرف للعلم أهميته وأحرص عليه؛ باعتباره دليلي الوحيد إلى الله والدار الآخرة!!

وأعرف عن السياسة فنونها، بل وأصيغها بصياغتي كمسلم؛ حسب الصياغة التي تفرضها عليَّ مبادئي، ويلزمني بها منهج ربي وشريعتي، لا أن أكون متأثراً بما فيها من ألوان الكذب والدجل والخيانة!! بل مؤصلاً لمبادئ الصدق والأمانة والديانة!!

وأن أكون بما استحضرته من نية الجهاد والاستشهاد في سبيل الله كالأسد الضرغام الذي يتضور جوعاً ليفتك بمن حاربوا دين الله؛ وهتكوا أعراض إماء الله، ليس شوقاً للدماء أو حباً في إزهاقها (حاشا لله) وإنما إعلاءً لدين الله، وإزالة الحواجز أمام الشعوب المضللة، لإدخالها في دين الله، فلقد علمني ديني المرحمة، وكما أن دعوة المسلم لدين الله مرحمة، فقتاله في سبيل الله أيضاً مرحمة؛ كي تبصر الأمم المحرومة نور هذا الدين!! 

وأن أجعل ساحات الثلث الأخير من الليل، سلواي في تزكية نفسي،  وأعمالي وسائر تصرفاتي طوال النهار دعوة لربي!!

وحيينها فقط سأكون متعبداً لله؛ بالمنهج الشمولي الذي ارتضاه الله عز وجل!!

 بسم الله الرحمن الرحيم
 . .  الحلقة العاشرة  . .
  (أدب الخلاف!!)

 كنت أظن . .
أن إخلاصي كملتزم لما أعتقده من حق في أي مسألة، لا يجرم أبداً حماسي المطلق له؛ بل يبرره، ولو تعدى أسلوب الحوار حدود النقاش الموضوعي، ووصل إلى حدّ الاحتدام بيني وبين من يخالفني الرأي، أو حتى تمادى ليصل إلى حد القطيعة والمخاصمة بيننا!! فالحق أحق أن يُتبع، ولا أسف مطلقاً على من يخالف الحق!!

 ولكني اكتشفت . .
أن هذا الحماس؛ وإن كان يمثل لدى صاحبه في الظاهر مظهراً من مظاهر التمسك بالحق والدفاع عنه - وهو مظهر نبيل - إلا أن الشيطان قد جعل منه وسيلة الخير التي أوقعه بها في مستنقع الشر!!

لاسيما إذا كانت أطراف النقاش ممن يظن في ظاهرهم الخير والالتزام، والحرص على تحري الحق، والحرص عليه ابتغاء وجه الله تعالى!!

إذ من المفترض يكون النقاش بينهم من أسمى ما يكون؛ باعتباره وسيلةً لإثراء العلم الشرعي، وإهداء النصائح المتبادلة بقصد النفع والفائدة؛ حيث أنهم جميعاً ينطلقون من أصول ثابتة، ومتفق عليها بينهم، تتمثل في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وهدي السلف الصالح رضوان الله عليهم؛ فكيف وصل بهم الخلاف إلى هذه المرحلة من احتدام النقاش؟!

بل وإلى هذا المستوى المتدني من إلقاء التهم، وسوء الظن المتبادل، والذي وصل إلى حد التشكيك في المنهج والاعتقاد؟! إلا إذا كان الشيطان قد نجح بالفعل في الانحدار بهم إلى منعطف خطير!! اندثرت معه النوايا الطيبة في نصرة الحق أو نشر العلم!! وانحصرت فقط في الحرص على الانتصار للرأي، واستعراض كل طرف لما لديه من العلم، وإبراز جهل الطرف الآخر!!

وهذا هو مستنقع الشر بعينه!!

لما فيه من شرور الخصومة، وسوء الظن، والتشهير، والتألي على الله في بعض الأحيان!! وإلباس الحق بالباطل على عوام الناس، حين يظهر لهم هذه الحزمة البشعة من التصرفات المشينة على أنها نصرة الدين وإظهار الحق!!

ناهيك عن أن السلف الصالح رضوان الله عليهم - والذين يتمسح فيهم معظم من يقومون بتلك التصرفات – لم يكن من هديهم أبداً مثل هذه الخصومات!!

بل قد وسعهم الخلاف فيما هو أعظم من تلك المسائل الفرعية التي يتشدق بها هؤلاء، ويقيمون الدنيا بسببها ولا يقعدونها!!

فكيف يسع السلف - مع عظيم علمهم - الخلاف مع أقرانهم ممن بلغوا من درجات العلم مبلغه؛ ولا يسع أمثالنا ممن بلغ مدراك الجهل أرذله؟!  

 لذا فقد قررت. .
أن اتق الله في دين الله!!

وأن أتعلم أدب الخلاف كما علمه لنا سلف الأمة الصالح (رضوان الله عليهم)!!

وأن لا أسوِّأ سمعة الملتزمين بدس كافة أنواع سوء الخلق وقلة الأدب وسوء الظن،  تحت عباءة نصرة الحق والدفاع عنه!!

وأن أكون مخلصاً في نيتي لتعلم العلم الشرعي الذي يرشدني إلى رضوان ربي، وأن أحرص على ذلك ابتغاء وجه الله وحده (فلا رياءً ولا سمعةً)!!

وأن أكون بإخواني رفيقاً، مستمعاً أكثر مني متكلماً، لأفهم وأعي ما يقال لي، فلعل الحق مع من ينصحني ويوجهني.

وأن أنأى بنفسي عن الخلافات مع إخواني، مرجعاً مسائل الخلاف لمن هم بالعلم أولى مني، مع الحرص على التوجيه بالنصح من طرف خفي، سالكاً أفضل أساليب الحكمة في توصيل ما أراه من حق لمن خالفني (حرصاً عليه وحباً فيه) أولاً . . لا حرصاً على إبراز جهله وعلمي، أو الانتصار لرأيي أمام إخواني!!

هذا هو هدي سلفنا الذين نعتز بالانتساب إليهم دوماً، فهل من حريص على اتباع منهج السلف من إخواني؟!

قال تعالى : (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُوْلُوا التِي هِيَ أَحْسَنْ، إِنَّ الشَيّطَانَ يَنْزَغُ بَيْهَمْ، إِنَّ الشَيّطَانَ كَانَ للإنسانِ عَدواً مُبِيْناً) الإسراء

 بسم الله الرحمن الرحيم
الحلقة (11)
(آلية معالجة القضايا!!)

 كنت أظن . .
أن كافة القضايا والمواقف التي تواجهني في حياتي اليومية كملتزم؛ لابد أن تكون محسومة لدي تماماً، ولا تحتمل التفاوض أو المهادنة !! (يا أبيض يا أسود)!! وكيف لا وأنا صاحب حق أدعو إليه، وأتبنى مبادئه في كل شؤون حياتي!!

ولا بأس بأن يتهمني الناس بالتشدد أو التطرف إلى غير ذلك من الأوصاف، فالإعلام لم يقصر أصلاً في تشويه صورتنا بما فيه الكفاية كملتزمين، وبالتالي فكما يقول القائل : (ضربوا الأعور على عينه؛ فقال خربانة خربانة)!!

 ولكني اكتشفت . .
أنه ليس من الضرورة أن تحتمل كل القضايا التي تطرح للنقاش هذا المستوى المبالغ فيه من التشنج والانفعال، سواء أكان في أسلوب التفكير أو ردة الفعل في التصرفات أو الأقوال!!

لاسيما وأن معظم من نخاطبهم من الناس، هم بحاجة فعلية إلى من يوضح لهم الأمور ببساطة ويسر؛ ليزيل عنهم أي لبس يمكن وقوعهم فيه؛ لتكون المحصلة أن نحبب إليهم الخير والحق بالمعروف والمعرفة، وأن ننفرهم من الشر والباطل بالحسنى والإحسان، فيجعلهم يتبنون لا إرادياً وجهة نظرنا برحابةٍ وسعة صدر!!

ولا يفترض أن كل قضيةٍ تطرح للنقاش، تعتبر قضيةً مصيريةً، يضحى في سبيلها بالأوصر والعلاقات، وتنشب بسببها الخلافات!!

ولا نعني بذلك تقليلاً من أي مسألة شرعية (عياذاً بالله) فكل ما يتعلق بأمر الدين، فهو بلا شك أمر هام (صغيراً كان أم كبيراً( لأنه دين الله، ولا شيء أعظم أبداً من أمر الله، قال تعالى : (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) الآية

ولكن ما نعنيه هنا، هو أسلوب الطرح، وكيفية النقاش!!

حيث أنه من المفترض أن يكون طرح الدعاة وأسلوب نقاشهم قريباً جداً من قلوب الناس، وبسيطاً بل وغاية في البساطة؛ كي يصل إلى عقولهم، حتى يجد القبول اللازم لديهم، لاسيما وأن الأغلبية منهم أناس على الفطرة، ومن اليسير على الداعية الحكيم أن يكسبهم في صفه بأسلوبه الطيب، بل ويجعلهم أول من يدافعون عنه في مواجهة دعاوى وسائل الإعلام الكاذبة!!

لا أن يكتفي بمجرد الصراخ والتشنجات والانفعالات التي يظنها البعض من موجبات نصرة الحق!! حيث تصدر منه لا إرادياً، فتظهر على وجهه عبوساً، وعلى لسانه غلظة بل وتقذف صخوراً، وحبذا لو تنفل العقل الباطني عند البعض فيقوم بإنتاج فيلم درامي عن تاريخ الصراع بين الحق والباطل!!

فيتوهم أنه يناصر الحق في وجه أباطرة الباطل!! وعليه فيقوم بتوزيع أدوار كفار قريش على من حوله من الناس!!

ليكون دور أبو جهل من نصيب البقال!!  وأبو لهب من نصيب الجزار!!  وعبد الله بن أبي بن سلول حتماً من نصيب الحلاق المسكين!!

ومن ثم تزداد الفجوة بيننا وبين عوام الناس يوماً بعد يوم!! حتى يكاد البعض منهم يتصور أننا قادمون من كواكب أخرى!! وبالتالي يسهل على الإعلام العلماني المشبوه؛ تضخيم الحواجز النفسية بين الدعاة إلى الله؛ وسائر أفراد المجتمع!!

ليبقى سوء تصرفنا من حيث لا ندري؛ هو السبب الرئيس وراء ذلك كله!!!

 لذا فقد قررت. .
أن أبتكر كداعية ناجح، آليات مثمرة لمعالجة كافة القضايا، تتمثل في العديد من وسائل الحكمة والتلطف في الحديث؛ لإزالة الحواجر النفسية أولاً بيني وبين من أحاوره؛ كي تجد كلماتي القبول لديه؛ فأنجح في الحصول على المفتاح الذهبي لمسامع قلبه، ليصبح الطريق أمامي ممهداً؛ لتأصيل ما أرجوه له من مبادئ الخير والحق!!

فما أروع أن نكون الصدر الواسع والرحب لمن لم يعرفوا الطريق إلى الله بعد؛ حتى نأخذ بأيديهم إليه؛ فنكون للناس سفن نجاة لهم في خضم هذا البحرالهائج من الفتن!!

ألم نكن مثلهم يوماً ما؟! ألم نكن غارقين في الشهوات والغفلات، ولكن الله سبب لنا من يأخذ بأيدينا إليه؛ فكتبت لنا النجاة؟!

أترون لو قوبلنا بالشدة والصدود والعبوس، فهل كانت قلوبنا ستقبل على الله؟!

ثم من قال أنه لابد من الشدة والغلظة في الدعوة إليه سبحانه؟!

ألم يمسح النبي صلى الله عليه وسلم على صدر ذلك الشاب الذي تجرأ، وسأله - وهو النبي الذي ينزل عليه وحي السماء – قائلاً : (ءإذن لي في الزنى يا رسول الله)!!

فهل عنَّفه الرسول صلى الله عليه وسلم أو صرخ في وجهه أو أمر بقطع رأسه؟!!

حاشا والله وكلا!! وإنما احتواه بحنان الأبوة، وخاطبه برحمة النبوة (صلى الله عليه وسلم) حتى يروي الشاب فيقول، فوالله لا أزال أستشعر برد يديه (صلى الله عليه وسلم) على صدري، وقد أذهب الله عني ما كنت أجد من أثر الشهوة!!

وكم تروي قصص الدعاة الحكماء ألواناً من النجاحات في الأخذ بقلوب الخلق إلى الله؟!

يقول أحدهم :

أتعمد دوماُ التبسط مع الناس في الحوار، حتى لو كانوا من أشد مخالفيني، عسى أن أزيل الحواجر النفسية بيني وبينهم في الحديث؛ فجمعني في المعتقل يوماً لقاء بيني وبين أشد رجال الأمن بغضاً للمتدينين!

حيث كان لا يمكنه مطلقاً إخفاء مشاعر الكراهية حين ينظر إلينا!!

فأتى عليَّ الدور؛ ليقوم بتفتيش محتويات الزيارة الغذائية التي أحضرتها لي أسرتي؛ فانتهزت فرصة خلونا معاً، ولم أدر ما الذي أنطق لساني بهذه الكلمات التي وقعت عليه وقع السحر!! حيث لم أزد عن قولي : (مهما عملت في حياتك . . إياك أن تيأس من رحمة الله)!!

فوالله الذي لا إله غيره، توقف فجأة عن تفتيش حقائبي!! ونظر إليَّ وهول المفاجأة يملأ عينيه، وسرعان ما تحولت ملامح وجهه من تلك الشراسة القاتلة إلى براءة عجيبة!!

وفوجئت والله بالدموع تنحدر غزيرة من عينيه؛ وكأني قد نكأت له جرحاً غائراً!!

ولم يلبث أن أخذ يردد عبارة واحدة فقط!! يكررها والدموع تنحدر على وجنتيه :

(شكراً والله يا عم الشيخ)

(شكراً والله يا عم الشيخ)

حتى كدت والله أشفق عليه مما رأيت!!  ورفض بشدة إكمال عملية التفتيش!! والعجيب أننا لم نره في المعتقل بعد ذلك أبداً!!

وأرجو من الله أن يكون قد أكرمه بالهداية، ولكني أيقنت مما حدث؛ أن الكلمة الطيبة مع حكمة الموقف، تصنع الكثير!!

فكونوا عباد الله مواطن رحمات الله على قلوب خلقه، تحظوا بحب الله وحب الخلق معاً في الدنيا، وتفوزوا بنعيم جنة الله يوم القيامة، فلقد خط لكم هذا الطريق، وسبقكم إليه، حبيبكم وحبيب رب العالمين، نبيكم الأمين(صلى الله عليه وسلم)!!


بسم الله الرحمن الرحيم
 . .  الحلقة (12)  . .
 (الزهد في الدنيا!!)

 كنت أظن . .
أنه طالما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالزهد في الدنيا؛ فإنه يجب علي كراغب في بلوغ منزلة الزهد؛ أن أترك كل شيء!! فلا أهتم بملبسي، ولا مظهري، ولا بنوعية الطعام التي أتناولها، ولا بالفراش الذي أنام عليه، وإن اضطررت لشراء سيارة، وقدرني الله علي تدبير ثمنها؛ فلتكن من أقدم السيارات زمناً، وأن أسير بين الناس منكسراً، وأن يكون شعاري في الحياة برمتها (مشي حالك، فما أقرب ساعة الموت)!!

 ولكني اكتشفت . .
أن الزهد عمل قلبي محض!!

ومقتضاه أن تكون الدنيا في يدك لا في قلبك!!

وإلا فما جدوى أن أبدو أمام الناس متقشفاً في الظاهر، ولكني أحمل بين جنبي أبشع القلوب جشعاً، وأحرصها على جمع متاع الدنيا الرخيص!! وإذا تعاملت بالدرهم والدينار، اكتشف الناس أنهم أمام غول شرس، ووحش كاسر، لا يبقي ولا يذر، ويريد أن يأكل الأخضر واليابس!! فتكون صدمتهم في أهل الدين أفظع مما يتصوره العقل!!

 لذا فقد قررت. .
أن أكون العابد الزاهد، ولكن على النحو الذي رسمه لنا النبي صلى الله عليه وسلم بفهم الإسلام الشامل!!

فأكون في غنى عثمان بن عفان رضي الله عنه إن استطعت، ولكن إذا دعت الحاجة (جهزت جيش العسرة)!!

وأن أملك تجارة أبي بكر الصديق رضي الله عنه لو تمكنت، ولكن إذا دعت الحاجة (تركت لأهلي الله ورسوله)!!

وأملك قصواء النبي صلى الله عليه وسلم، وهي من أفخم المراكب ثمناً، ولكن (أعطي عطاء من لا يخشى الفقر أبداً)!!

وأن أتزوج أجمل الناس وأحرصها ديناً إن تمكنت، ولكن إذا دعا الداعي: (يا خيل الله اركبي وإلى الله ارغبي) كنت كالصحابي الجليل جليبيب رضي الله عنه، والذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم، حينما رآه بين الشهداء، وقد تركه يتجهز للعرس قبل ساعة (اذهبوا لصاحبكم (أي والد العروس) فقولوا له زوج ابنتك، فإن الله استبدلها له من الحور العين)!!

وأن ألبس أجمل الثياب شكلاً، ولكن بجسدى لا بقلبي (لأن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده)!!

وأن أسكن أفضل المنازل سعةً من المال الحلال؛ بنية التوسعة على أهلي (لأن سعة الدار من سعة الرزق) ولأن (أعظمها أجراً درهماً تنفقه على أهلك)!!

وأن أسعى لكسب المال الحلال من التجارة إن استطعت؛ لأوسع على إخواني المسلمين، فأقيل عثراتهم وأفرج كرباتهم؛ لأن (نعم المال الصالح للرجل الصالح)!!

 وأن آكل من أطيب الطعام وألذه؛ وأنام على أصح الفراش وألينها، إذا تمكنت لأن (لجسدك عليك حقاً)!!

وهذا هو المعنى الحقيقي للزهد، أن تملك الدنيا بأسرها إن استطعت، ولكن لا تسمح لها أبداً باحتلال ولو جزء بسيط من قلبك!!

وإلا فكيف استطاع النبي صلى الله عليه وسلم على ما كان يعانيه من شظف العيش وشدته، أن يزهد في جبال مكة ذهباً!! وهو الذي يعلم يقيناً أن الله نافذ وعده؛ إذا أشار بالإيجاب؟!

أليس لأنه لم يجعل للدنيا في قلبه أدنى نصيب؟!

وهذا هو عين الزهد ومقصده، فليس الزهد في تصرفات ظاهرية، لا توافقها قناعات باطنية؛ نجحت بالفعل في تطهير القلب من روث الدنيا، وجعلت يقينه فيما عند الله من الرزق أشد من يقينه فيما عند الناس، فزهد الزهد الحقيقي في الدنيا!!

حين ملك منها ما ملك بيده، ولكنها لم تملك ولو جزءً بسيطاً من قلبه!!

 بسم الله الرحمن الرحيم
 . .  الحلقة (13)  . .
 (فَلْنَعَمْ إِذاً!!)
الابتلاء

 كنت أظن . .
أنه بمجرد التزامي سوف يلاحقني البلاء أو الابتلاء، لأنه من مقتضيات صدق الإيمان، حيث أن أشد الناس بلاءً هم الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم؛ وعليه فيجب عليَّ أن أكون على أهبة الاستعداد دوماً للبلاء أو الابتلاء!!

 ولكني اكتشفت . .
أن الابتلاء وإن كان معياراً لاختبار المؤمنين الأشداء، وكذا البلاء وإن كان تكفيراً لذنوب المؤمنين الأتقياء، فإنه قد يكون أيضاً عقاباً أو لعنة في حق الكافرين أو الأشقياء!!

وعليه فيجب على المسلم أن يحيا دوماً بأمل العافية من الأمرين معاً، ليس في أمر الدنيا فحسب، وإنما في أمري الدنيا وفي الدين!! وإلا فكيف كان معظم دعاء النبي صلى الله عليه وسلم عامراً بطلب العفو والعافية من المصائب والبلايا؟!

أفينتاب أحدنا أدنى شك (عياذاً بالله) في أن النبي صلى الله عليه وسلم هو أعظم الخلق إيماناً؟! وعلى الرغم من ذلك؛ كان دائم سؤال العفو والعافية من ربه!!

بل وأمر صحابته رضوان الله عليهم أجمعين، جهاراً نهاراً فيما رواه البخاري ومسلم، عن أبي إبراهيم عبد الله بن أبي أوفى ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام فيهم فقال : (( يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف))

فلم يك طلب العافية يوماً خوفاً أو ضعفاً في الإيمان أبداً، وإلا لما طالبهم بالثبات حال وقوعه!! بل وقام صلي الله عليه وسلم؛ في نفس الموقف؛ ليوصل أمامهم حبال الأرض بحبال السماء، مشعلاً جذوة الحماس في قلوبهم؛ بتضرعه لربه قائلاً : (( اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم (163) ((متفق عليه

وها هو الصحابي الجليل، عم رسول الله العباس رضي الله عنه يقول : "قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! عَلِّمْنِي شَيْئًا أَسْأَلُهُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ؟ قَالَ: «سَلِ اللهَ الْعَافِيَةَ». فَمَكَثْتُ أَيَّامًا، ثُمَّ جِئْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! عَلِّمْنِي شَيْئًا أَسْأَلُهُ اللهَ ؟ فَقَالَ لِي:  «يَا عَبَّاسُ! يَا عَمَّ رَسُولِ اللهِ! سَلِ اللهَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ».

رواه الترمذي وغيره، وصححه الألباني رَحِمَهُ اللهُ، "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (1523).

 لذا فقد قررت. .
أن أحيا دوماً بأمل العافية من ربي، فإذا اقتضت حكمة الله وقدره، وقوع بلاء أو ابتلاء، لجأت إليه سبحانه طالباً للمدد والعون في دفع هذا البلاء أو الابتلاء، تماماً كما علمنا الحبيب صلى الله عليه وسلم في سنته وهديه!!

أما أن أحيا بهذا الفهم الخاطيء، والذي يستجلب به البعض البلاء أو الابتلاء؛ اعتقاداً منهم أنه مؤشرٌ على صلاح الدين أو زيادة الإيمان!!

فلا تكاد تستمع لأحدهما في نقاش أي قضية، إلا تنبأ بالأسوأ دوماً!!

وليس هذا والله من هدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي حذرنا من القيام بذلك، أو أضماره في قلوبنا أشد تحذير؛ لأنه أسرع الطرق لوقوع البلاء نسأل الله العفو والعافية!!

فها هو الأعرابي يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم يشكو الحمى، فيدعو له النبي ثلاث مرات قائلاً : (كفارةٌ وطهورٌ) فإذا بالأعرابي يرد عليه في كل مرة بقوله : (بل هي حمى تفور، تزيره القبور) فلم يك من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن قال له : (أما إذا أبيت، فهي إذاً) وفي رواية (فلنعم إذاً)!! فما أمسى من الغد إلا ميتاً!!

فعيشوا أبناء الإسلام بأمل العفو والعافية كما أمركم نبيكم صلى الله عليه وسلم دوماً، فإذا ما اقتضت حكمة الله، وما كان من قضائه وقدره وقوع بلاء أو ابتلاء؛ فالتصقوا بجنب الله التصاقاً وثيقاً، كي يرفع عنكم هذا البلاء، فتفوزوا في الدارين معاً بمصير السعداء.

 بسم الله الرحمن الرحيم
. . الحلقة (14) . .
صيانة التوحيد

 كنت أظن . .
ولا زلت أظن، بل وأعتقد أن كل من تلفظ  بشهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وكفر بما يُعبد من دون الله، وأقامَ الصلاة وآتى الزكاة وصامَ رمضان، وحجَّ البيت إن استطاع إلى ذلك سبيلاً؛ فقد دخل في الله (الإسلام) وله ما للمسلمين من حقوق، وعليه ما عليهم من واجبات!! 

 ولكني اكتشفت . .
أن الشيطان الرجيم ما كان ليترك العباد ينجون منه بسلامة دينهم، ويموتون على توحيدهم، دون أن يحاول وسعه الزيغ بهم عن صراط الله المستقيم، من خلال اختلاق شتى أنواع الشرك الظاهر والباطن؛ كي يخدش التوحيد في قلوبهم، حتى يفقدهم هذه النعمة التي من أجلها خلق الله السماوات والأرض!!

فاكتشفت من عوام المسلمين . . من نطق بالشهادتين، ولكن الشيطان أغواه فذبح لغير الله!! وطاف بغير بيت الله (كالأضرحة)!! ودعا غير الله (كالأولياء)!! ونذر لغير الله (للأولياء)!! ورجى النفع من غير الله (من الأولياء)!! واعتقد أن هناك من يدفع عنه الضر سوى الله (كالأولياء)!! واعتقد وجود أقطاب تتحكم في هذا الكون مع الله (من الأولياء)!!

واكتشفت من خواص المسلمين . . من نطق بالشهادتين، ولكن الشيطان استدرجه للاعتقاد بأن الديمقراطية من الإسلام، وليس فيها ما يخالف دين الله!! وأن الحكم للشعب وليس لله!! وأنه لا فرق بين السنة والشيعة!! وهذه الأمور كلها تقدح في عقيدة التوحيد الصافية النقية!!

 فقررت . . 
أن أحيا حياتي بالتوحيد الكامل لله رب العالمين، بعد أن أتعلم أصوله وشروطه ونواقضه من أهل العلم الثقات، كما أمرني الله تعالى في قوله : (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) فجعل الله تعالى العلم قبل القول والعمل!!

وأن أحرص دوماً على صيانة توحيدي من الشيطان الرجيم، من خلال  الوقوف على ما في النظريات المخالفة لمنهج الإسلام من بطلان، مستنداً في كل ما يتعلق بعقيدتي إلى العلم النافع من مصادره الموثوقة، المتمثلة في (الكتاب والسنة وهدي السلف الصالح) لا أن أتكل على مجرد النطق بشهادة التوحيد، ثم أترك للشيطان المجال رحباً؛ كي يصول ويجول في قلبي وعقلي، بما يشوب توحيدي واعتقادي من شوائب الشرك والكفر التي امتزجت بها العديد من نظريات العلمانيين والمستشرقين والدخلاء!!

فالله قد جعل التوحيد وحده مناط النجاة في الآخرة، فهل بوسع أي صادق في طلب تلك النجاة؛ التهاون في أمره أو التفريط في صيانته؟!

فوثقوا القلوب عباد الله بتوحيدكم لله وحده، وابذلوا مهجكم دوماً في سبيل صيانة هذا التوحيد، حيث به فقط تكون لكم النجاة!!

 بسم الله الرحمن الرحيم
. . الحلقة (15) . .
معيار الصلاح

 كنت أظن . .
أن كل من لديه الفصاحة الكافية للتحدث إلى الناس، وإلقاء الخطب والمواعظ عليهم، يعتبر مؤهلاً لقيادة الناس، لاسيما إذا كان صاحب عقيدة سليمة، ويستند في كل أحاديثه على الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة وهدي السلف الصالح، وحبذا ايضاً لو كان جهوري الصوت، عريض المنكبين، بارع في قراءة القرآن، فإن أداوت جذبه للناس ستكون حينئذٍ أوفر حظاً!!

ولكني اكتشفت . .
أن دين الله له معاييره الخاصة في الحكم على صلاح العبد من عدمه!! فليست الملكات الظاهرية وحدها معيار صلاح العبد!! فرب حامل فقهٍ إلى من هو منه أفقه!! ألا وإن أخطر ما يتنافى مع معيار الصلاح لدى العبد من أعمال، هو ما نصَّ عليه قول الحق تبارك وتعالى :   (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون)!!

فقد يبدو المسلم الملتزم - سواء كان داعية أو طالب علم - في ظاهر منطقه وحديثه وهيئته أمام الناس؛ قمة في التقوى والصلاح، ولكن إذا ما قدر الله وأطلع البعض على شيء من سيرته، سواءً مع أهله أو مع جيرانه أو مع أخلص المقربين منه، ممن يتعامل معه على محك الدرهم والدينار، كانت الفاجعة التي استحقت بالفعل أن يصفها الله تعالى بهذا الوصف المشين في قوله تعالى : (كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون)!!

إنه معيار الزيغ في نفس العبد!!

أن يخالف قوله فعله!! أو تخالف نصائحه تصرفاته!!

فكلما غفل العبد عن تزكية نفسه بصدق وإخلاص - متجرداً لله تعالى - واكتفى بثناء المعجبين عليه من حوله، وما حظي به منهم من ألقاب الوقار والفخار، مثل (الشيخ الكبير، أو الداعية الملهم، أو محدث العصر، أو الداعية المجاهد)!!

كلما تأصل في نفسه مرض الازدواجية (الخبيث) الذي يزيد من عمق الزيغ في نفسه؛ كونه اطمأنَّ إلى مكانته عند الناس، وأنه أضحى بمثابة الشيخ الموقر!!

وعليه فكل ما يصدر عنه من تصرفات، سيكون بلا شك واقعاً في مساحة بعيدة كل البعد عن مرصاد المراقبة الذي ضعف في نفسه لا إرادياً نتيجة وقوعه تحت تأثير هذا الشعور الذي أوعز إليه بارتفاع مكانته عند الخلق، وبالتالي ستكون تصرفاته على ما فيها من قصور، مستساغة - على الأقل لدى نفسه – فضلاً عن كونها مستساغة لدى المقربين منه، والذين أعماهم مطلق الحب عن رؤية النقصان!!

ومن المحزن حقاً، أن أهل الدنيا على وضاعتها، قد وضعوا معايير ثابتة؛ لقبول من يصلح ومن لا يصلح لإدارة أي اختصاص من الاختصاصات!!

وعليه فإن تلك المعايير أسهمت بلا شك إسهاماً كبيراً في الحصول على ثمار جيدة لجهود العاملين في كل اختصاص!!

ليبقى السؤال :
هل هان دين الله علينا، للدرجة التي جعلناه فيها مشاعاً لكل (قاصي وداني) من الناس؛ كي يتبوأ باسم الدين لدى العامة أو الخاصة فيهم، المكانة التي تجعله يتزعم أمر الدين؛ دون وجود معايير للحكم على صلاحة أو عدم صلاحه لتلك المكانة؟!

وتزداد المأساة فظاعة؛ حين نعلم أن الله قد كفانا تحديد ملامح تلك المعايير!! ولم يكلفنا بالبحث المضني، أو التدقيق الممل حتى نصل إلي هذه الملامح أو تلك المعايير!!

وإنما جمعها لنا بكلمات معدودة في قوله تعالى : (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)!!

فمن منعته تقواه من مخالفة قوله لفعله؛ فقد وافق معيار الصلاح!!
ومن منعته تقواه من حب الثناء والمدح وآثر ما عند الله من الثواب؛ فصدع بكلمة الحق، ولم يبالِ في الله لومة لائم؛ فقد وافق معيار الصلاح!!
ومن منعته تقواه من شراء الدنيا بالدين؛ فقد وافق معيار الصلاح!!
ومن منعته تقواه من الركون إلى الذين ظلموا طمعاً في متاع دنياهم الحقير؛ فقد وافق معيار الصلاح!!
فمن منعته تقواه من الفتوى بغير علمٍ خوفاً من الله؛ فقد وافق معيار الصلاح!!

لذا فقد قررت . . 
أن تكون وجهتي المطلقة هي . . الله . . والله وحده!!
وأن أجعل من معيار التقوى مرشداً لي في تلك المسيرة، حين أبحر بصحبة الصالحين – من العلماء والدعاة وطلبة العلم - في سفن تقواهم لله، كي أنجو وإياهم من أمواج مضلات الفتن، فمن صلحت بالتقوى سفينته؛ كانت مني صحبته، ومن قصرت به التقوى منهم عن الإبحار، كان لي في معيار التقوى خير نجاة توصلني إلى شاطئ الأمان؛ ببلوغ ساحة الرحيم المنان!!
فبمعيار التقوى ننجوا . . وبمعيار التقوى ننقاد ونقود . .  وبمعيار التقوى . . يرفع الله منًّا أقواماً ويضع آخرين!!
فعظموا عباد الله دين الله بهذا المعيار، وليكن كل منَّأ حكم على نفسه، أما من تصدوا فينا للدعوة والعلم، فسوف يعلو شأنهم تلقائياً بحسب مقدار تقواهم لله تعالى، تماماً . . كما أعلى الله قدر ابن تيمية فصار بعلمه وتقواه شيخاً للإسلام!! وكما أعز شأن العز بن عبد السلام؛ فصار بجرأته في الحق سلطاناً للعلماء!!

ألا فإن العلم دين . . فانظروا عمن تأخذوا دينكم؟!