الخميس، 21 أبريل 2011

حقوق الأقباط المسلمين في مصر


حقوق الأقباط المسلمين في مصر
أبو إسلام أحمد عبدالله

           الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ..  إن القضية التي سأتحدث عنهــــا مباشرة هي تلك الفِرية التي سموها (( فتنة طائفية )) ، التي تموت وتحيا ، تم تمـــــــوت ، ونحن لا نملك أي قدر من المعرفة حول مَن يُصدر القرار بموتها ، ثم مَن الذي يتولـى - في كل مرة - مخاضها ؟‍‍! . إنها أزمة يعانيها سبعة وستون مليوناً من المسلمين المؤمنين بإله واحد ، وكتاب واحد ، وسُنَّة نبوية واحدة ، ينهل منها ملايين الفقهاء والعلماء والدعــــــــاة والمفكرين وطلبة العلم والدارسين والعوام في علاقتهم بأربعة ملايين نصراني - على أفضل تقدير - بنسبة 87,5% تقريبا من إجمالي السكان ، وينقسمون - فيمــــــا بينهم - إلى ما لا يقل عن أربعين ملة عقَدية في مصر وحدها ! .

     وفي البداية ، أرجو رفْع التكاليف والحواجز النفسية والحساسيات المرهفة - تكتيكاً أو استراتيجيةً - إن أردْنا الوصول إلى حلول عملية لمشكلة تؤرِّق مضاجع السياسيـــــين منذ غاب الإسلام العقَدي .

     تلك المشكلــــة التي وجد فيها اللادينيون ( العلمانيون ) وسَقَط متاع الشيوعية وبقايا الماركسيين مستنقع ماء آسِن ، غاصوا فيها حتى أذقانهم ؛ ظناً منهم أن بها صفاءً أرادوا تعكيره ، ووجد فيها بعض العابثين من النصارى - المتطلعين إلى النجومية والشهـــــرة - سيوفاً على رقبة الحاكم وحكومته ، يغازلونهم بلمعانها بين الفينة والأخرى؛ إثارة للرعب، أو لهواً بما هو ليس بلهو !.

     نربأ بالعقلاء أن يزايدوا أو يروا في دفن الرؤوس كالنعـــام منجاةً من الخطر ؛ ففرض الحقائق ليس بحال طعناً ، أو إساءةً لاحد ، والحديث عن النصارى والنصرانية ليس مِنطقة ألغام كما يروجون فى أسماعنا ؛ لتخلو لهم ساحة الأمة ، فيعبثون بمقــــــــــدّراتها حاضراً ومستقبلاً ، ولا نستوعب أن قضية - مثل العلاقة بين المسلمين والنصـــــتارى- تُتــركَ أبداً لرفعت السعيد ، وعبدالعظيم أنيس،  وعواطف عبدالرحمن،  وخليل عبدالكريـــــــم ، وفؤاد مرسي ، ولطيفة الزيات ، الذين شكَّلوا - فيما بينهم وبين عشرات آخرين من الشيوعييــــن العوانس والأرامل ويتامى الدهر - ماسموه (( لجنة الدفاع عن الثقافة القومية )) ؛ لمناقشة (( المشكلة الطائفية في مصر )) منذ عام 1988 !.

          فالقضية - في الحقيقة - هي قضيـــــة الأمة المصـــــرية المسلمة ، لا القومية ولا الشيوعية ولا الماركسية ولا الطائفية أيضاً ، ومن هذا المنطلـــق ، فقد آثَرت أن أسبح مع التيار الغائب - الغائب ضد التيار الغائب الحاضر ، وأتعامل مع مُفردات الأزمة - موضــوع الدراسة - باعتبارها أعراضاً مزمنة .

        ولطول عمر الأزمة ، وعمـــــــق جذورها ، والتفـــــاف فروعها ، وإدمــان استخدام المسكِّنات والمخدِّرات في علاجها ، فإن قائمة مفردات الأزمة طالت بأكثر مما يحتمله مقـال أو أكثر ، إلا أنه بات ضرورياً الوقوف عليها بجلاء ، وتحديدها بدقة ، والمبالغة في رصدها ، ومن ثم في تفكيكها ، وإعلان ذلك بالوسائل كافة بعناوين بارزة ، فإن امتلكـــنا زمـــام كل عناصر الأزمة استطعنا إعادة تركيبها وترتيبها وفق المنظومة الإلهية التي يستـــبين فيـــها الحق من الباطل ، ويميز فيها الخبيث من الطيب ، ويعرف كل صاحب حق حقه .

      إن السبب الكامن في جوف الأزمــــة هو ذلك الخلل الدفين في المنظومــــة الإنســــانية المصرية بعدما أصابها فساد كثير ، فبدا فيها الكبير كما لو كان صغيراً !، وبدا فيها الصغير كما لو كان هو الكبير ! ، واستمرأ الكبير الوهم بصغره ! ، وتوحَّش الصغير بوهم كبره ! ، والمنهج العلمي الموثق هو الحكَم والمرجع - أولاً وأخيراً - تحت مظلة شريعة الله وكفى .

    ولبندأ السباحة معاً مع مُفردات الأزمة  .

نصارى مصر :
    إن مفردة (( نصارى مصر)) هي واحــــدة من أخطر المفــردات أثراً وتأثيراً في الأزمة المثارة ، وتحتل موقع الصدارة على قائمة المفردات .
   ونؤكد أن قدر الغموض والهُلامية الذي يغلف هذه المفــردة هو أهم وأسوأ الأسباب التي جعلتْها تتبوأ هذه المكانة الاستراتيجية في تاريخ ومستقبل العلاقة بين المسلمين والنصارى في مصر ؛ إذ من المهم للغاية أن نقف - بوضوح كامل - على عدة حقائق معلوماتيه هي :
1- يبلغ عدد نصـــــارى مصر - حسب تعداد عام 1947 - حوالــــي 1,5 مليون نسمة من مجموع 23,6 مليون .
2-  يبلغ عــــدد نصارى مصـــر - حسب تعداد عام 1986 - حوالى 2,8 مليون نسمة من مجموع 48 مليون .
3-  يبلغ عدد المــِلَل الكَنَسية للنصــــارى في مصر حوالى أربعين ملة ، تنضوي تحت سبع مجموعات عقدية وطائفية .
4- بلغ عدد نصارى كل مجموعة عقَدية وطائفية من المجموعات السبع - حسب تعداد عام 1947 كما يلي :
   1186353 أرثوذكسي مصري ينتمي للكنيسة المُرْقسية .
  89062 أرثوذكسي مصري ، وأرمني ، وسرياني ، وآخرون لا ينتمـــــون إلى الكنيسة المصرية .
73764 كاثوليكي مصري ينتمي إلى الكنيسة الرومانية البابوية .
50200 كاثوليكي روماني وأرمني وسرياني وآخرون .
86918 بروتستانتي مصري ينتمون لعدة مذاهب داخلية  .
16338 بروتستانتي غير مصري ينتمون لعدة مذاهب متفرقة  .
1547 آخرون غير معروفين كاللوثريين وشهود يَهْوَه والمُورْمُون .
1504182 مجموع النصارى في مصر - عام 1947 - بنسبة 6,38% من مجمــــــوع سكان مصر المسلمين .

5- بلغ عدد نصارى كل مجموعة عقدية وطائفية من المجموعات السبع - حسب تعداد عام 1986 - من خلال حسـاب نسبة الزيادة بالمقارنة بتعـــــداد عام 1947 ( 2,774/1,5 =  1,85 ) وبضرب هذا الناتج في التعداد السابق ( عام 1947 )- باعتبار ثبات نسبة الزيادة السكانية في مصر لدى عموم الشعب - يكون الناتج كالتالي :
2194753 ارثوذكسي مصري ينتمي إلى الكنيسة المرقسية .
164765 أرثوذكسي مصري وأرمني وسرياني وآخرون لا ينتمون إلى المرقسية .
136463 كاثوليكي مصري ينتمي إلى الكنيسة الرومانية البابوية .
92870 كاثوليكي روماني وأرمني وسريان وآخرون .
160798 بروتستانتي مصري ينتمون لعدة مذاهب داخلية .
30225 بروتستانتي غير مصري ينتمون لعدة مذاهب خارجية .
2862 آخرون غير معروفين كاللوثريين وشهود يهوه والمورمون .
2782736 مجموع النصارى في مصر - عام 1986 - بنسبة 5,8% .

     وقد أوضح التقرير السكاني لعام 1986 أن عــــــدد نصارى مصـــر 2,774 مليون ، يتوزعون إلى 1,378 مليون أنثى ، و 1,396 مليون ذكر . 

    فإذا كان عدد السكان في مصر قد ارتفع من (48) مليون نسمة عام 1986 إلى (71 ) مليون نسمة عام 2000 - بمعدل زيادة قدره ( 48و1% ) - فيمكن استنتاج تصور تقريبي للتوزيع الطائفي لنصارى مصر على الوجه التالي :
3248234 أرثوذكسي مصري ينتمي للكنيسة المرقسية .
293282 أرثوذكسي مصري وأرمني وسرياني وآخرون لا ينتمون إلى الكنيسة المرقسية
201965 كاثوليكي مصري ينتمي إلى الكنيسة الرومانية البابوية .
137448 كاثوليكي روماني وأرمني وسرياني وآخرون .
237981 بروتستانتي مصري ينتمون لعدة مذاهب داخلية .
44733 بروتستانتي غير مصري ينتمون لعدة مذاهب متفرقة .
4237 آخرون غير معروفين كاللوثريين وشهود يهوه والمورمون .
4167880 مجموع النصارى في مصر - عام 2000 - بنسبة 5,87% تقريبا .

     وأنبه إلى ارتفاع هذه النسبة قليلاً عن الواقع ؛ إذ إن مجمــــــــوع الكاثوليك في مصر - حسب البيان السابق مباشرة - لعام 2000 هو ( 339,5 ألف ) ، والرقــــــــم الذي تداولته دوائر المعلومات والصحافة - عند زيارة بابا روما في فبراير عام 2000 لمصر - كان ثابتاً حول (250) ألف كاثوليكي في مصر ، ولا يضير المسلمين أن يكون نصارى مصر أضعاف ذلك .

وعلى ضوء هذه الأرقام والتقسيم الطائفي نشير إلى أن الاختلافات بين الأربعيـــن ملة كَنَسية في مصر موروثة منذ القرون الأولى للنصرانية ، وتتوالد حتى يومنا هذا ؛ فلكل ملة طقوسها العقدية الخاصة ، وقانون إيمانها ، وشكل صليبهـــا ، وطريقـــة بناء كنيستهـــــا ، والتماثيل التي تُنحت للعبادة أو العظة ، واسم رئاسة الكنيسة ، والرتب والمناصب اللاهوتية  وعدد الصــلوات ، والقــداديس ( جمع قُدَّاس ) والتراتيل ، بل والأسرار الكنسية ، والتاريخ الزمني والجغرافي المعتمد !.

    والذي نصبو إليه - بعد هذا العرض الموجز ، ولعله جديد بالنسبة للقــــراء - أنه يصبح من الضروري واللازم أن نعرف :

-  مَن الذي يتكلم باسم نصارى مصر ؟! .
-  ومَن الذين منحوه صَكّ النيابة ؛ ليتحدث باسمهم ؟! .
-  وهل مايطلبـــه المتكلمون يشمل عمـــوم النصــــــــارى الغربيين والشرقيين والمصريين والمقيمين في مصر ، وينتمون إلى كنيستها ؟! .
-  أم أنه على المحور الآخر أيضاً استطاع أن يوهم - بصوته العالي وضجيجه - أنه الممثِّل القانوني والديني لجميع الطوائف ؟! .

    إن الذي نضيفه هنا أن 95% من طوائف النصارى في مصر ترفض العمل السياسي ، وترفض المشاركة في المجالس النيابية التي تصفها بالنظـــم العلمــــــانية ، وترفـــض أي خصومات أو مطالب أو مكاسب دنيوية ، بل ترفض بعض المذاهب الكنَسية المصرية بنـاء الكنائس !، وتكفِّر مَن يبني كنيسة ؛ لأن المسيح - عليه السلام - كانت كنيسته هي بِشارته ودعوته ، لم يبنِ كنيسة أبداً ! .

    وأكثر من ذلك كله أن الكنائس - التي تتكلم وتطالب باسم مجموع نصارى مصر - تعلن تكفيرها البواح لكنائس مصرية أخرى ، مثل اللوثرية بميدان الإسعاف بالقاهرة ، وشهـود يهوه بالفيوم والقاهرة والمنيا والإسكندرية ، والعلم المسيحي بميدان مصطفى كامل بوسط العاصمة ، والمورمون بالإسكندرية ، وكنيسة ( الله ) الخمسينية بجزيـــــرة بدران في أول شبرا بالقاهرة  ... إلخ  ..  فكان من الضروري أن نعرف الآخر ، ومن هو ؟! ، وباســم مَن يتحدث ؟! .

     وماذا تعني مفردة (( الكنيسة المصرية )) في عقول المسلمين ؟! .

   أهل الذمة :
   إن مصطلح (( أهل الذمة )) يشغل كثيراً العقل الكنَسي في العالم بصفة عامــــــة ، وفي العالم الإسلامي خصوصاً ، وفي مصر على الأخص .

   وبغضّ الطرف عن الضوابط الشرعية التي تحكم المسلمـــــين في التعامل مع المصطلح فكراً وتطبيقاً ، وبغض الطرف عن الشعور الخاطىء لبعض المسلمين الذي يستشعــــرون حرجاً أمام النصارى بسببه لعدم فهمهم وقلة علمهم بأحكامه ، فإن هذا المصطلح يحمــل - في طياته - عظمة الإسلام التي تفتقد إليها النصرانية إجمالاً ؛ لأنه يشهد على المسلمــــين باعترافهم الديني والعقدي والإيماني بأن النصرانية عقيدة إلهية ، وأن لها نبياً ورســـــولاً يخرج المسلم من إسلامه إن أنكره ، أو أساء إليه ، وأن كتاباً نزل على نبينا ونبيهم عيسى - عليه السلام - اسمه (( الإنجيل )) وأن أتباع هذه العقيدة - الذين آمـــنوا بالوحـــــدانية ، والذين آمنوا بالتثليث ، والذين آمنوا بألوهية عيسى ( عليه السلام ) ، والذين قالوا إنه ابن الله  .... إلخ لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلـــمين ، على الرغم من كل مافعلــــوه بالمسلمين من مجازر ومذابح وخيانات على مدى التاريخ !.

           فإذا ما نظرت إلى النصرانية عقيدةً وشعباً ، حضــــــارةً وتاريخاً ، في الغرب وفي الشرق ، أباطرة ، وآباء وكهنة وقديسين ورُهباناً وخُداماً ، في الإسكندرية وسيناء ومرسى مطروح وجنوب النوبة ، المحافظين منهم والإصلاحيين ، الشيوخ والصبيان ، فإن واحــــداً من هؤلاء جميعاً لا يعترف بالقـرآن الذي يؤمن به المسلمون، ولا برسولهم ، ولا بعقيدتهم إجمالاً وتفصيلاً !، فمَنِ الأَوْلَى بالخجل ؟! ، ومَن الأولى بالتعيير ؟! ، ليس مطلوباً إجابة !

    ولكننا ننتقل إلى الشق الآخر - الذي يهم نصارى مصر ، ويؤرِّق مضاجعهم ، ويُخيفهم من شريعة الإسلام - وهو فهمهم المغلوط لمعنى ( أهل الذمة ) ؛ باعتباره صفة مذمومة ، أو تقليلاً من شأنهم ، أو إهانة لقدرهم ! .

    ونقول إن المسلمين لاذنب لهم في ذلك الفهــــــم المغلوط ؛ لأن النصارى عندما أرادوا المعرفة لم يستقوها من منابعها الصحيحة عند فقهاء وعلماء المسلمين ، بل تسلــط على عقولهم بعض القسس الكهنة غير المنصفين، الذين رددوا أقـــوال الصليبيين على عماء ، والحقيقة أن أيســر معاني (( أهل الذمة )) أنها (( قيد في رقبة كل مسلم )) ، وعهد يُسأل عنه يوم الحساب ، ويُعاقـَب من الحاكم المسلم إن لم يعِ ضوابطه ومسئولياته التي تتلخص في عدة قرارات نبوية حاسمة ، على رأسها قوله صلى الله عليه وسلم : (( مَن ظلم مُعاهداً  أو كلَّفه فوق طاقته فأنا حجيــجه)) 0 وقوله صلى الله عليه وسلم : (( مَن آذى ذميــــاً فقد آذاني )) .

     وإن حكم حاكم - أو قضى قاضٍ - بزي خاص لأهل الذمة فهو باطل ، أو إسكانهــــم في منطقة بعينهــا - إساءةً إليهم - هو باطل ، وإرهاقهــــم بضرائب خاصـــة فهو باطل ، إلا أن يكون عقاباً على خطأ ، أو تأميناً لخطر عليهم أو منهم ، وهو ما يحق للحاكم أو القاضي أن يعاقب به رعاياه من المسلمين - أيضاً - إن أخطاوا ، أو خاف عليهم ، أو لم يأمن مكرهم ، أو احتاج إلى عونهم في المال ، أو حتى الذهب الذي في أيدي نسائهم .

    لكن من الغبن للمسلمين أن نُنهي الكلام عن تسمية النصـــــارى بأهل الذمة ، ولا نسأل النصارى عن تسمية المسلمين عندهم في حالة حكم المسلمين لهم ، وعن تسمية المسلمين عندهم في حالة حكمهم للمسلمين ؟! .

 الآخـــــر :
      ثم تأتي مفردة (( الآخر )) التي كثيراً ما تعتمد عليها أدبيات تفعيل وإثارة الأزمـــة ، فيما يمكن أن نسميه - دُعابة - ((صراع الديكة )) ، الذي تمارسه بعض الأقلام المشاركة في خضم معاركها ، ونقول - بصراحة شديدة - إن هناك حقائق مهمة قد غابت عن واقع المتعاطين للأزمة من الطرفين ، ولا ادَّعي الوقوف عليها، لكنني فقط سوف أرشــــد إلى مفاتيحها .

    فقد عجز علماء المسلمين ومفكروهم وساستهم ـ منذ أواخر القرن الــثامن الهجـــري تقريباً ـ بعدما أعاد العالم ترتيب أوراقه ، وبدأ نجم الإمبراطوريات الإسلامية في الأفـــول لسقوط حكامهم في شراك التغريب ، وغربة الشـــرك الذي سكن قصــورهم ، وتربع على كراسيهم المذهبة ، وتبختر في قاعات المرآقص والجواري ومصاهرة الكفار ، ولم يردعه عالم أو فقيه أو تقي ، لا يخشى غير الله.

    نقول :  لقد عجز المسلمون عن متابعة الحــــــراك الديني والاجتماعي والاقتصــــادي والثقافي والحضاري للكنيسة وشعبها في البلاد التي حولهم ، أو هؤلاء الذين يعيشون في كنفهم ، وانعزلوا عن شركائهم في الأرض والعيش والماضي والحاضـــــر والمستقـــبل ، فجهلوهم ، ووقفوا أمام أسوار كنائسهم كالمغيَّبين ، فلم ينشغلوا بمعرفة ما يدور بداخلهـا بقدر ما انشغلوا بنسج الأساطير حولها ، وأطلقوا لخيالاتهم العِنَان فيما تدخره الكنيســــة للزمن الآتي .

    وكذا كانت الكنيسة في كل بقاع الدنيا - وكانت كذلك الكنيسة المصرية الوطنية القومية - عاجزة عن استيعاب حضارة الأمة ومتغيرات التاريخ وتراكمـــاته والنواميس الربانيــــــــة والقوانين الإنسانية .

     وانشغلت الكنيسة ببدع المبتدعين داخلها ، وهرطقة المهرطقين ، ولم تدرك مسئوليتها أمام شعبها ، وأمام الأمة التي وُجدت فيها ، ولا تملك الفكاك منها إلى أمة سواها ، فأهملت ضرورة تكوين رؤية شمولية ترتبط بمقدسات الكنيسة ؛ لتحديد معالم العلاقة بينهـــــا وبين عقيدة المسلمين المسيطرين على البلاد على مدى أربعة عشر قرناً من الزمان : ما الحقوق ؟ ، وما الواجبات ؟، وماذا نعلم ؟ ، وماذا نتعلم ؟ ، وممن نتعلم ؟ ، ولمَن نعلم ؟ .

       وكان جلياً أن الكنيسة المصرية (كما أشرت من قبل ) قد اعتمدت اعتماداً  كلياً - في مصادرها المعرفيه ومواقفها السياسية والعقدية تجاه المسلمين وإسلامهم - على ا لــــرؤى الغربية والاستشراقية ، التي اختلفت - بالضرورة - عما كان واجباً أن تكون عليه المنظومة الاجتماعية والتاريخية والحضارية ، بل والثقافية واللغوية التي تجمع المسلمين والنصارى في مصر .

    ولا شك أن غياب هذه الرؤية عن عقل الكنيسة المصرية قد أسهم - بدور رئيسي - في كل تراكمات الأزمة التاريخية المعاصرة نحو المسلمين ، لكن هذا الغياب لايجب أن يبـــــرر عدم الاحتياج إليها ألآن بأشد مما كان من قبل ؛ لأ الزمن لم يتوقف بعد ، ولأن الأحــــــداث متلاحقة تختصر الزمن الآتي بأبناء المستقبل ، وتفرض - بقوة السلاح - حقوقهم الإنسانية التي يجب أن يتمتعوا بها ، وألا نحرمهم منها ، وأن نوفر لهم الحماية مما فشلـــــنا في أن نحمي به أنفسنا بحسن نية أو بسوء فهم أو قصد .

      فهذه الرؤية الكنســـية تجـــــاه المسلمين في مصر - وإن أغضـــبت المسلمين ، وهي بالضرورة سوف تُغضبهم - إلا أنها سوف تزحزح قـــدراً من الغموض ، وتضيف بدلاً منه مساحة من الشفافية والوضوح ، يعين أهل الحل والعقد والحكمة على رسم وتحديد خطوط ومعالم العلاقة بين الطرفين ، آخذين في الاعتبار :

     أن العقيدتين إنما تقومان - بحسب اعتقاد المؤمنين بهما - على مرتكزات دينية إلهية مطلقة، لاتقبل المجاملة أو التزييف، ولا يملك أحد منهما أن يحذف منها ، أو يضيف إليها ، أو يعدل في نصوصها إلا بالخروج عن ثوابتها .

     بل إن إفصاح الكنيسة عن هذه الرؤية الغائبة - التي أعترف أنه ليس سهـــلاً عليها أن تصرح بها - سوف يضيف عنصراً آخر إلى العنصر القدري الإلهي الذي يجبر الطرفين على ضرورة قبول العيش سوياً ، ذلك هو عنصر ضرورة الإسهام المشترك في تعضيد وترسيخ وتوسيع وتنشيط مساحة القيم الأخلاقية المشتركة عند أصحاب العقيدتين .

     فإذا ما تحققت الشفافية الدينية ، وضاقت مساحة المغيَّبات والظنون والأوهام ، انصهر الجميع ذوباناً في مساحة الأرض القدرية ، ومساحة الأخلاق الإلهية ، ويبقى التمايز فقـط بين أهلي الأمة - بلا خوف أو وَجَل - محصوراً في التمايز العقدي الإيمــاني وقضــــــــاياه اللاهوتية ( عندهم ) .

 التعــدُّدية :
     وبانحصار التمايز - بين مسلمي مصر ونصاراها - في دائرة الأحكام العقدية والقضايا اللاهوتية تتأكد التعددية الثقافية التي ترقى ألف مرة على التعددية السياسية ، التي يطالب بها بعض نصارى اليوم ؛ ذلك لأن التعددية السياسية في أرقى صورها سوف تكون - كما هي الآن - الهَمّ الحاضر في كل أدبيات الكنيسة، التي لو احتكم إليها المسلمون كما احتكم إليها الأباطرة والبطاركة منذ المجمع المقدَّس الأول في القرن الثالث الميلادي - لما بقي لنصارى مصر أرض ولا وطن ولا وجود ! .

     إذ تعتمد التعددية السياسية على ما يُعرف بالنظام السياسي الديمقراطي ، الذي يتخذ من الأكثرية العددية ميزاناً لأحكامه القاضية - في حالة مصر - بـــنفي الأقلية النصرانية احتراماً وتكريساً لحقوق وطموحات وآمال وبرامج ودساتير ونفوذ وأطمــــاع الاكثرية - المسلمين - وإلا فلا معنى للديمقراطية ، وبالتبعية ، فلا معنى للنظام العالمي الجديد الذي يتخذ منها عقيدة يفرض الإيمان بها على كل شعوب الأرض ، بل ويفرض على كل الملوك والسلاطين والزعماء توقيع نصوصها ، والجزاءات المترتبة على مَن يخالفها ! .

     فإذا ما عدنا إلى التعددية الثقافية العقدية - التي نطرحها على نصارى مصر كبديل للتعددية السياسية الديمقراطية - فلن نجـــــد لها مكاناً في عقول النصارى التي تشبَّعت بالخصومة لكل ماهو مسلم ، كما لن نجد لها موقعاً من الإعراب في أي نظام أو دستـور في العالم إلا في سياق إحدى منظومتين :

الأولى :  وهى منظومة العولمة التي تلغـــي كل الأديان وكل الثقافات ؛ لتنصهر في بوتقة (( اللادين )) و (( اللاثقافة ذاتية )) ، ومن ثم تصبح أطروحة التعددية الدينية مرفــوضة بإطلاق ! .

    الآخرة : وهي المنظومة القرآنية التي لا تسمح للأكثرية أن تطغى على حقوق الأقلية ، أو تنال من عقيدتها ، أو تستبد بها عقيدة أخـــرى لهم ، بل وتحــــكم بالعـــدل المطلق بين الأكثرية والأقلية دون زيغ أو مجاملة أو تثريب .

     وهذه المنظومة الأخيرة هي التي يرشحها المسلمون لشركائهم في الحضارة والتاريخ والأرض والعيش والحاضر والمستقبل ( نصارى مصر ) ، والتي يرفضونها لا لأنهــــــا لم تخضع عندهم للدراسة أو المناقشة ، أو تنقصها ضمانات ، أو تحمل في ثنايها ما يؤرق ؛ إنما لأنها - بداية - من المسلمين ! ، وهذا خطأ إنساني وعقدي جسيم  .

إضافة مهمــة :
     إن خيار النصارى لمنظومة التعددية السياسية - ورفض المنظومة العقَدية - يستوجب على نصارى مصر أن يجيـــبوا بوضوح وإسهـــاب شديدين على سؤالين مهمين ؛ ذلك إن أرادوا - بحق - ألا يمارسوا مع المسلمين لعبة الصراع حتى النهاية .

     بل ويستوجب الأمر أن تكون الإجابة على مستوى الشفــــافية الإيمانية الكاملة ؛ حتى تستمر اللعبة السياسية أطول فترة زمنية ممكنة بعيدة عن الصراعات الدموية التي شهدها التاريخ ؛ إذ إن شرط الشفافية إن لم يتحقق - وصممت الكنيسة على الغموض والتغيــــيب والأسرار - فأحسب أن حكَم المباراة في ظل النظام الدولي الاستبدادى الجديد سوف يستخدم البطاقات الحمراء والصفراء كثيراً ، فيما يسمى بالفتنة الطائفية .

     أما السؤالان أو الرجاءان فهُما :

1_ أن تعلن الكنيسة الأم في مصـــــــر للمسلمــــين جميعاً - بصفتهم شركـــاء في التاريخ والحضارة والحاضر والمستقبل - مايلي :
-   ما الكنيسة ؟.
-  ما الطوائف التي تعمل في مصر ؟.
-  ماحجم كل طائفة منها ؟.
-  مَن المصريون ؟ ، ومَن الأجانب ؟.
-  مادرجة انتماء كل كنيسة منها إلى الكنائيس الكونية ؟.
-  ما أحقيَّتها في التواجد على أرض مصر ؟.
-  ما أحقيتها في حكم مصر ؟.
-  ماذا تريد لحاضرها ؟.
-  ماذا تعد لمستقبلها ؟.

2_ ثانيهما : أن تعلن الكنيسة الأم - للمسلمين جميعاً ، وللنصــارى جميعــــــاً في الداخل والخارج - حقيقة موقفها من
-  دين الإسلام  .
-  قرآن الإسلام  .
-  نبي الإسلام .
-  عقيدة المسلمين .
-  حقوق المسلمين في العيش على أرض مصر
-  حق المسلمين في حكم مصر بحسب تشريعات الكنيسة .

      فإذا ما كان خيار النصارى لمنظومة التعددية العقدية الثقــــافية ، ورفــــض المنظومة السياسية العولمية - فلا أحب أن ذلك يستوجب منهم شيئاً ؛ لأن عقيدة المسلمين قد فصَّلت القول والأحكام والتشريعات التي تضبط العلاقة بين الطرفين إجمالاً وتفصيلاً ، وهو غير ما شهدته صفحات سوداء كثيرة في تاريخ المسلمين والنصارى، والإســــلام براء منهـــــا كل البراءة .

  الخط  (( الهَمَايوني ))  :
   إن كذبة (( الخط الهمايوني )) لا بد أن تنتهي ، وأن يتحمل أهلنا - من نصارى مصر - عبأها في شجاعة ، وأن يشرحوا لأبنائهم - بكل الوسائل التعليمــــية والإعلامية - أن هذا الخط الذي حدده الباب العـــالي في الدولة العثمـــانية ، التي كانت تحكم البلاد ، إنما اتخذه السلطان المسلم بناءً على طلب من الكنيسة الأرثوذكسية المصرية ، وبعد إلحاح شديد من نصارى مصر وبعد وساطات لوجهــــاء الأمـــة من النصــارى والمسلمين حتى يستجيب ، ويُصدر أوامره بعدم السماح لأي جهة - أياً ما كانت - بإصلاح أو ترمـــــيم أو بناء كنيسة جديدة إلا بعد الرجوع إلى الباب العالي ! .

    وقد فرحت وانشرحت قلوب نصارى مصر بهذا القرار الذي جــــاء استجابةٌ لإلحـــاحهم لمواجهة الزحف الكاثوليكي والبروتستانتي ، الذي جـاء إلى مصر كالوحش الكاسر ينهش لحم الكنيسة المصرية بما يملك من أمـــوال وإمكانـــــات لم تكن متوفرة للكنيسة المصرية ، وكذلك حماية للأرثوذكس المصريين من جهود الكَثْلَكَة ( نسبة إلى الكاثوليكية ) والأنجـلة ( نسبة إلى الإنجيليين ) ، التي مارستــها الإرســــاليات الأجنـــــبية في شعب النصـــارى ، واستطاعت أن تجذب إليها الآلاف من نصارى الأرثوذكس المصريين  .

     ثم إضافة إلى هذه الحقيقة المهمة - التي يجب أن تتولى الكنيسة المصـــــرية تبــرئة السلطان العثماني منها - على الكنيسة أيضاً أن تعلن براءة العقيدة الإسلامية من هـــــذا القرار ، أو استمراره حتى يومنا هذا على الورق ، أو على الواقع المعاش .

   وأن كل مَن يسيء إلى السلطان العثماني - في إصدار أمره الهمايوني أي ( السلطاني )- إنما هو كاذب ومَدَّعِ ومدلِّس ، وغير قادر على مواجهة الحقــيقة ، أو أنه يجهلهــــا ، وأن الأمر الهمايوني قد أصدره السلطان بعد توسلات ورجاء بابا الكنيسة ورهبانها وقِسِّيسيها وشمَّاسيـــها وخدامها وحراس أبوابـــها ، بعدما هجمـــت الإرساليــات الكنسية الكاثوليكية الرومانية والبروتستانتية الفرنسية والإنجليزية والألمانية والأمريكية على بلاد المسلمــين تحت مظلة الحملات الصليبية أحياناً ، وبمصاحبة قوات الاحتلال الغربي أحياناً اخـرى ، ثم من خلال الغزو الثقافي والفكري لبعض العقول في بلاد المسلمين ، إلا أن هذه الجهــود لم تحقق أهدافها في المسلمين ، ولم تؤثر في عقيدتهم أو لغتهم أو عاداتهم أو تقالـــــــيدهم ، بالقدر الذي أساءت فيه للكنيسة الشرقية ، وأذلت أعناق أتباعها ، وأثارت بينها الانشقاقات والعداوات والخصومات ، وحطَّت قدر النصارى في عيون المسلمين المشاركين لهـــــم في الأوطان ، كما أصابت هذه الكنائس بالضعف والوهن ، ومزيد من التشرذم والانغــــــــلاق ، حمايةٌ للذات ، وحفاظاً على البقاء ، فلم تجد الكنيسة المصرية مفراً من تقديم طلبــــها إلى الباب العالي - سلطان البلاد - بأن يضع خطاً يوقف زحف الصليبيين الغاشم ، ولو كـــــانوا طلبوا منه - قبل أن يُسقط عرشه - أن يلغي هذا الخط لفعل ، لكن ذلك لم يحدث أبــداً ؛ لأن نصارى مصر الأرثوذكس مازال مسلطاً عليهم سيف الكثلكة والأنجلة حتى يومنا هذا ، ولعل تجرِبة الأب دانيال البراموسي مازالت ماثلة أمام أعين الكنيسة الأرثوذكسية بعدمـــــا انشق الرجل عليها ، وذهب إلى الإنجيليين ، بصحبته عشرة آلاف من أتباعه الذين كانوا بالأمس - فقط - من أتباع الكنيسة المصرية المرقسية ! .

     وعلى الرغم من ذلك فإن هذا القانون - الذي يمنع ترميم دورة ميــــاه بغير إذن رئيس الجمهورية (سابقاً ) ، ومجالس المدن والقرى (حالياً ) - هو القانون نفسه الذي تحت ظله تم تجديد (جميع)  كنائس وأديرة مصر - خلال عهد الرئيس حسني مـــــــبارك بطرق غـير مشروعة ، (ولدى الكاتب صور فوتوغرافية لعشرات من هذه الكنائس قبل التـــجديد وبعد التجديد إن أراد صاحب شأن برهاناً ) .

 فتاوى واضحة
    إلا أننا - بعد ذلك كله - نحتاج إلى فتاوى شرعية صريحة وواضحة حول :
-  ما حق النصارى في مصر في احتلال المعابد الفرعونيـــة واليونانية والرومانــية التي تحولت إلى كنائس وأديرة ؟! .
-  ماحق النصارى في مصر في تجديد وترميم الكنائس والأديرة القائمة ؟ .
- ما حق النصارى في مصر في بناء كنائس جديدة ، وما الضوابط الشرعيـــــة أولاً - ثم القانونية - التي تحكم هذا الحق في ضوء ما ذكره التقرير الاستراتيجي لمركز دراســـات ((الأهرام))  عام 1999 أن معدل الكنائس في مصر هو : لكل 17 ألف نصراني كنيسة ، في حين أن معدل المساجد في مصر هو : لكل 18 ألف مسلم مسجد ؟! .

 الأقباط : مسلمون لا نصارى :
         تعتبر مفردة (( الأقباط )) على رأس قائمة عدد من المصطلحـــــات الطاغية على استخداماتنا الفكرية والأدبية ، جمعتُـــــها ، وأطلقــتُ عليهــــا اســــــم (( المصطلحــــات المسروقة )) .

     فبناءً على أكثر التقديرات التي تتجاوز الموضوعية ، كان عدد سكـــــــــان مصر - يوم دخول المسلمين أرضها - حوالي ستة ملايين نسمة ، إلا أن بعض الكتابات الكنسية أوصلت هذا التقدير إلى نحو ثلاثين مليون (( قبطي ))  ، كما جــاء في كتاب ستالي لينبول : تاريخ مصر في العصور الوسطى  ( ص19 ) .

        والملايين الستة - التي يمكن أن يقبلها العقل - سكان مصر عام 640/641 بحسب التقويم الصليبي ، نسي أو تناسى كَتَبة التاريخ أنهم لم يكونوا أبداً من أصول فرعونيــــــة (قبطية) خالصة ، حتى كتاب د.محمد شفيق غربال : (( تكوين مصر عبر العصور)) الذي صدر ضمن سلسلة ((تاريخ المصريين)) رقم (42) عن الهيئة المصرية العامة للكتــاب - عندما رجعت إليه ظناً مني أنني وجدت ضالتي ، فوجدت أن المؤرخ الكبير كان أذكــى من أن يتورط أمام كنيستنا ، ويقع في هذا المأزق ، فقال - (ص14) : ((لن أُلقي بالاً للمسائل المتعلقة بأصلهم أو جنسهم ، ذلك لأني أعني بالمصــري : كل رجل يصــف نفـــسه بهـــذا الوصف ، ولا يحـــس بشيء ما يربطه بشعب آخر ، ولا يعـرف وطناً له غير هذا الوطن ، مهما كان أسلافه غرباء عن مصر في واقع الأمر )) .

    وبذكاء عرَّف الأسلاف - بدون إفصاح - في ( ص27) بأنهم : ((ا لإغريق واليهـــــود ومَن إليهم من الغرباء )) . 

وإذا كان د. غربال لم يفصح بأن آخر الغرباء كانوا هم العرب فإنني لا أجـــد بأســـاً في الإفصاح عن ذلك رجوعاً إلى ما ألزمْنا به أنفسنا من شفافية في العرض، وشفافيـــــة في الرؤى ، وأفصِّل ما لم يلقِ إليه الدكتور بالاً ؛ للكشف عن الأصول الجنسية العرقية لشعب مصر عند الفتح الإسلامي ، إذ كانوا خليطاً من :
-  فراعنة موحِّدين : كزوجة إبراهيم وولدها إسماعيل - عليهم السلام - اللذين جـــاءا في عهد الأسرة الثانية عشرة ، ويوسف ويعقوب - عليهما الســـــلام - اللذين جاءا في عهـــد الأسرة السادسة عشرة ، وأخناتون - على الرغم مما حوله من ضباب - في الأسرة الثامنة عشرة ، وموسى - ومَن معه من اليهود عند الخروج- في عهد الأسرة التاسعة عشـــــرة ، وعلى متخصصي الآثار أن يشاركوا في تأكيد ترتيب الأُسر لاختلافات فيها كثيرة  .
-  فراعنة وثنيين مصريين ، صنعوا من الحجارة أصناماً ، وعبدوها ، وقدَّسوا الحيوانات والشمس والحكام والنهر ! .
-  فراعنة يهود مصريين من أبناء يعقوب - عليه السلام - فإن كان موسى (عليه السلام ) قد رحل بهم من مصر فبالضرورة بقي منهم مَن فضَّل مصر ، وتخلف عن الهروب  .
-  ليبيين أتوا من الغزو الليبي لمصر أيام الفراعنة  .
-  أشوريين أتوا مع الغزو الذي أسقط آخر دولة فرعونية .
-  الإغريق اليونانيين الذين أتوا مع المقدونيين ثم البطالمة بحضارتهم الهيلينستية ( غزاة ثم طلبة علم في مدرسة الإسكندرية ) .
-  رومانيين أتوا مع الغزو القيصري وللتجارة ، ثم لطلب العلم في مدرسة الإسكندرية  .
-  فرس وثنيين - يعبدون النار - أتوا مع الغزو الفارسي وهزموا قياصــرة رومــــــا لعدة سنوات في مصر  .

   كل هؤلاء أتوا إلى مصر ، واستقر منهم مئات وآلاف على أرضهــــا ، وتناسلوا فيها ، وأصبحوا (( أقباطاً ))  .
    ثم إلى هذا الخليط اللامحدود الذي لا يستطيع أحد أن ينفى عنه ((قبطيته))  -جاء مئات العرب للتجارة ، فعاد منهم مَن عاد ، واستوطن مصر مَن استوطن ، وشكَّلوا - جميــــعاً - البنية الأساسية للإنسان المصري يوم الفتح الإسلامي في أول عام من العِقد الثالث للهجرة النبوية المشرفة .

    اختلفت أصولهم ، وتباينت جنسياتهم ، وتنوعت عقـــــائدهم ، لكنهم - جميعا - أصبحوا نسيجاً واحداً في دمه جينات الأرض الطينية ، وورث سمرة الوجه ، وجلد العزيمة ، وشرب من ماء النيل .

     ثم جاء الفتح الإسلامي ، جيش قوامـــه أربعة آلاف مقــــــــاتل من شبه جزيرة العرب ، وصحبة جاءت معهم من العراق ، وأخرى من بلاد الشام ، وهم في طريقهم إلى مصر تحت قيادة عمرو بن العاص 0 وما لبث أن نهـــــض إليهم عشرة آلاف مقاتل آخرين ، من بينهم آلاف جاءوا بحثاً عن الرزق في أرض مصر الخضراء ، التي انفردت - دون كل بلاد حوض النيل - باحتضان شاطئيه ، والالتصاق بهما .

    هذه الآلاف التي وفدت مع الفتح الإسلامي واصلت الزحف في مسيرة فتوحاتها الكبرى  وتركت في مصر مَن شاء لنفسه البقاء على أرضها ، كما حدث في كل محطة من محطات الفتح ، يبقى آلاف ، ويرحل آلاف ، وفي صحبتهم من أبناء البلاد التي فتحوها آلاف أخرى

     فإذا ما عدنا إلى مصر ، فقد أسلمت الغالبية ، وبقيت آلاف قليلة على عقيدتها النصرانية ، ورحلت آلاف ممن أسلموا مع جيوش الفتح . ولكن أحداً من هؤلاء لم يفقد - بإسلامه أو البقاء على نصرانيته - انتماءه إلى مصريته أو ((قبطيته))  ، وكما أشرت من قبـــــل ، ولا يملك واحد -  مهما بلغ علمه ومعرفته - :
-  أن يوقف الجنسية القبطية على النصارى الذين كفروا بالوثنية الرومانية كفراً بواحاً . 
-  ولا أن يوقفها على النصارى الذين خلطوا عقيدتهم بطقوس وثينة لا محدودة  .
-  ولا أن يوقف الجنسية القبطية على مَن اعتقد بالأرثوذكسية الإسكندرية دون الذين اعتقدوا بالأرثوذكسية القسطنطينية ، أو الذين اعتقدوا بالكاثوليكية الرومانية من أبناء مصر  .

    وعلى محور آخر فإن أحداً :
-  لا يستطيع أن يحرم - من الانتماء إلى (( القبطية ))  -  ملايين من الذين كانوا وثنيين ، وتهوَّدوا  .
-  أو الذين كانوا هوداً فارتدوا إلى الوثينة  .
-  أو الذين كانوا هوداً وتنصروا  .
-  أو الذين كانوا نصارى فارتدوا إلى الوثنية أو اليهودية  .
-  أو الذين كانوا وثنيين أو هوداً أو نصارى وأسلموا  .
-  أو الذين جاءوا بإسلامهم فأصبحوا - مع الأغلبية المصرية - أغلبية مسلمة .

     في ضـوء التعددية - التي صُهرت في البوتقة المصرية - كان ضرورياً إعـــادة تشكيل مكونات الأمة الجديدة في العنصرين الأهلين :

الأول : الأقباط المسلمين وهم الأغلبية العددية - من أصحاب الأرض والتاريخ - الذين لم ينفصلوا بإسلامهم عن الحضارات السابقة ، وإن اعتقدوا بغير عقائدها) .
الثاني : الأقباط النصارى (وهم الأقلية العددية - من أصحاب الأرض والتاريخ- الذين لــم ينفصلوا بنصرانيتهم عن الحضارات السابقة ، وإن اعتقدوا بغير عقائدها) .

    وبناءً على هذه الحقـــــائق - التي لا تقبـــــل جدلاً أو نقاشاً - يصبح من العـــار العلمي والتاريخي والحضاري والأدبي والثقافي أن يألف أصحاب القلم أو الدعاة أو الوعاظ - جهلاً أو تدليساً - التزييف المركب للمفاهيم ، بأن يجعلوا من الجنسية الوطنية المصــرية ( وهي القبطية)  صفة لعقيدة دينية ، ثم يوقفوا هذه الصفة العقدية الدينية على القطاع المتواضــع من جسد الأمة ، ويختزلوا ((القبطية))  - التي هي جنس - إلى دلالة طائفية ، كان يمكــــن قبولها بحسب قوانين العلم وشروطه لو أنها كانت للأغلبية الأعم  . 

     وأصبح مثيراً للعجب - مخالفاً لقواعد كلية ثابته لدى المفاهيم  والأوعية العقلية - أن تُستوعب الكليات بداخل الجزئيـــــــات ، أو أن تحــــل الجزئيات محـــل الكليات ، وتصبح ((القبطية))  المصرية (التي هي جنس الأمة الإسلامية) - بدوافع عنصرية أو تحصيـــــل لمكاسب آنية - عقيدة للطائفة التي شذت عن القناعات الجمعية التي تبنَّتها الأمة المصرية منذ أربعة عشر قرناً من الزمان ! . 

     ويكون من العار أن يصف النصارى في مصر أنفسهم بأنهم هم (( الإقباط )) الخُلَّص ؛ لكونهم اضطُروا - أو تنازلوا عقدياً - بقبول بعض الطقوس أو العادات الوثنية ، أو احتلوا بعض المعابد اليونانية والرومانية وحوَّلوها إلى كنائس أثرية ، لعل أشهرها - وأخفاها عن المسلمين - كنائس فيلا بأسوان ، التي تُعامَل كمعابد أثرية ، واتخاذهم من الشعار الوثنـــي ( مفتاح الحياة )  شكلاً قريباً من الصليب ، الذي لم يعرفه النصارى إلا بعد ثلاثة قرون من رفع المسيح ( عليه السلام ) ! . 

     إنما يكون (( الأقباط ))  الخلص هم الذين حافظوا على وثنيات أجدادهم وأصنــــــامهم للعبرة والعظة ، ولم يحتلوها ، ولم يهدموها ، ولم يحولوها إلى أماكن عبادة، بعدما ارتقت عقولهم بالوحدانية ، واعتنقوا الدين الذي أتى به البدو الرُّحَّل من شبه الجزيرة ؛ ليحررهم من الشرك وعبادة الحجر والماء والنار والبشر ، لكنه لم يطلب منهم - أبداً - أن يحــــرروا من (( قبطيتهم ))  الوطن .

      وليس مَكرُمة أو علواً أن ترضى الكنسية المصرية لنفسها أن تنتسب عقيدتها لجنس من الأجناس ، حتى لو ظنت في ذلك تأكيداً على نصرانية الأمة قبل أربعة عشر قــرناً من الزمان عاشتها تحت ظل الإسلام تاريخاً وحضارةً وعقيدةً  .

    فالأقباط هو اسم عَلَم يدل على المسلمين المصريين دون النصارى ؛ لغلبتهم تاريخـــاً وحضارةً وعدداً ، فإن أردنا أن نعرّف نصارى مصر لزمهم - بالضرورة- إضافة كلمـــــة ((الأقباط )) ؛ لتمييزهم عن النصارى السريان (سورية)  ، والنصارى  الأرمن (أرمينيا)، والنصارى الرومان (روما)  ... إلخ ، فيكونون ((النصارى الأقباط))  ، فإن جاء القول مطلقاً  ((الأقباط  فقط)) - فإنما يكون المقصود هو ((أهل الإسلام )) تعميماً لهم ؛ لكونهم أغلبية الأهلين في الوطن الكبير .

  (( مصر )) : لا  Egypt
        لعل اسم ((مصر))  هو ما كان يجب أن تبدأ به كل المفردات ، لكن اسم مصر أيضاً هو مايجب أن يُختتم به كل كلام ؛ خاصة إذا ما كان الكلام منها وبها وعنها .

    يرجع اسم ((مصر))  - في أصوله - إلى لغات عديدة ؛ تبعاً  لما يهوى كل مجتهد ، لكن أقرب الأصول إلى الأذهان هي تلك التي تبدأ من القرون الفرعونية المـــــتأخرة ، وتنتهي بالاحتلال الإنجليزي في عصورنا الحديثة ، عبْر جسور دينية وسياسية وتاريخية متشابكة ومتداخلة بقصد سابق التجهيز .

    ومن اسمها تتولد مفردة المصري  ، تحمل في طياتها عشرات الأسئلة حول ما إذا كانت مسمى لوطن أو حضارة أو عقيدة ، وعما إذا كانت صفة لطائفة دون سواها ، أو أنها شعار تكتيكي ، أو مشروع استراتيجي لرؤى عنصرية مستقبلية  .

-  وهل (( مصر )) هي : (( وطني )) ، أم (( وطنه )) ، أم (( وطننا ))  جميعاً ؟! .

      الأسئلة - في الحقيقة - حول كلمة (( مصر))  ولاَّدة ، ومتلاطمة كأمواج المحيـــط ، وهي تتكسر على الشاطىء الصخري قبل أن تعود صغيرة بأضعف وأصغر مما جاءت به ، على الرغم مما كتبه غالي شكري ( ص292 ) - من كتابه ((الثورة المضادة في مصر)) - قائلاً عن جماعة (( الأمة القبطية )) التي نشطت عام 1954 ، إنها طالبت علناً بتعليم اللغة القبطية ، ورفضها لكلمة (( مصــــــــري ))  ، بل حرصوا - وأصروا - على استخــدام كلمة (( قبطي ))  ، وعلى الرغم مما قاله ( ص308 ) من أن هذه الجماعات عادت ثانية - منذ عهد السادات - مرتدية ثوباً جديداً مستظلة بالكنيسة ، وتعمل تحت مظلتها ! .

     لكن إجابة كونية تختــصر ، وتختزل كل هذه الإرهاصـــات ، وهو أنه من الخــذلان أن نتنافس ( مسلمين ونصارى) حول لفظ (( قبطيتنا )) ، الذي يعـــــود إلى أصل يوناني - لا عربي - هو  Alguptos ، أو فـــــرعوني وثني مختلف عليه هو (( ها - كا - بتاح )) ، بمعنى بيت الإله فتاح ، أو (( أي - جيبتوس ))  بمعنى (( دار القبط ))  .

ولسبب غير معلوم - وبدوافع من الصعب أن تكون غير مقصودة - تنازل النصارى ثم المسلمون عن الاسم الذي ورد في كتابيهما المقدسين ، وهو (( مصر))، الذي لم يكن حرياً أن نقبل له ترجمة بأي لغة ، ووجــــــب - بحسب التوراة والإنجيل والقرآن - ألا يُكتب بغير حروفه ونطقه ، عَلماً دينياً مقدســـــــاً اسمه ((مصر )) ، وكل مَن يقيمون في حدودها هم ((مصريون )) ؛ إذ ورد اسم ((مصر )) و ((مصرية )) و مصريون )) حوالي خمسين مرة فيما يُعرف بالتوراة - أو العهد القديم - مثل :
-   (( فانحدر إبرام إلى (( مصر )) ؛ ليتغرب فيها )) ( سفر التكوين ، 12/10) .
-   (( وأقام في بيت سيده المصري ))  ( التكوين ، 39/3 ) .
-   (( وكان يوسف هو المتسلط على مصر )) ( التكوين ، 42/6 ) .
-  (( الذين قدموا مع يعقوب إلى مصر )) ( سفر الخروج ، 1/1) .
-   (( فاستدعى ملك مصر القابلتين )) ( الخروج ، 1/18 ) .
-   ((  أعازم أنت على قتلي كما قتلت المصري ؟! )) ( الخروج ، 2/14 ).
-   (( هاجم شيشق ملك مصر أورشليم )) ( الملوك ، 1-14/25 ).
-   (( زحف فرعون نحو ملك مصر )) ( الملوك ، 2-23/29 ).

    كما ورد اسم (( مصر )) - فيما يعرف بالإنجيل أو العهد الجديد - أكثر من مرة ، أذكر منها :
-   (( قم واهرب بالصبي وأمه إلى مصر )) ( مَتَّى ، 2/13).
-   (( قد ظهر في حُلم ليوسف في مصر )) ( متى ، 2/19 ).

   وفي كتاب الله الكريم ، ورد اسم (( مصر )) خمس مرات :
-   ( اهْبِطُوا مِصْراً فَإنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ) ( البقرة : 61).
- ( وَأَوْحَينَا إلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً ) ( يونس : 87 ) .
-   ( وَقَالَ الَذِي اشْتَراهُ مِن مِّصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ) ( يوسف : 21 ).
-  ( وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إن شَاء اللهُ آمِنِينَ ) ( يوسف : 99 ) .
-   ( وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ) ( الزُّخْرُف : 51).

    ولم تأتِ كلمة (( قبط )) أو مفرداتها في أي من الكتب الثلاثة على الإطلاق ؛ وبذا ينتفي أي تعلُّق عقدي باسم غير اسم (( مصر )) .. الأرض ، التاريخ ، الحضارة ، الانتمـــــاء ، الوطن ، الجنس ، لأكون أنا (( مصري مسلم )) ، والآخر (( مصري نصراني )) .

   وشركة مصر للطيران يجب أن تكون  Misr : بدلا من Egypt  ، وعِلم المصريات :  Misrology   بدلاً من  Egyptolgy ، وجمهورية مصر العربية :  A.R.M بدلاً من  A.R.E ، ونكون - جميعاً - (( مصــــــــــريين )) Misrians  بدلا من Egyptians  ، نصارى ومسلمين .

     ولأن النص القرآني مقدس عند المسلمين فقد استخدم المسلمون اسم (( مصـــــر)) ، وأصبح جزءاً من أدبياتهم وفكرهم ووجدانهم ، لا يرضون عنه بديلاً.

    فهل يقبل أهلنا - نصـــارى مصر - أن يلتزموا بالنص التوراتي والإنجــــــيلي كما نطقه المسيح عيسى - عليه السلام - أم أن غلبة الهوى سوف تدعو إلى تقديس اللغة التي كتبها أتباع المسيح - عليه السلام - بلغة أوطانهم هم ، لا بلغة صاحب الكلمة ؟1.

    ولأنها مسألة تتعلق - في الحقيقة - بتأصيل تاريخي وعقدي ، لا سياسية ولا طائفية ، لا إسلامية أو نصرانية ، فهل يلتزم أهل القلم من الأهلين باسم ((مصر)): العهدين القديم والجديد وقرآن الله الكريم ؟!.

    هذا ما أتمناه ، وعلى الله قصد السبيل ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين0

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق