ضد الدولة الدينية
التاريخ: 28/04/2011
الكاتب: عاصم الفولى
منقول من موقع حزب العمل المصرى الاليكترونى
في أغلب الأحوال يتجاهل أصحاب هذا الاتجاه تماما قضية الدولة في صدر الإسلام، ولا يتطرقون للإجابة عن السؤال: هل كان الرسول (ص) يمارس الحكم في المدينة أم لا؟ غير أنهم في بعض الأحيان يعترفون أن الرسول (ص) مارس السلطة السياسية، وكذا خلفاؤه الراشدون، ويكيلون المديح لهم ولسيرتهم، ولأسلوبهم في الحكم، ولكن مع التحفظ: إن الرسول (ص) وخلفائه الراشدين (رض) كانوا فلتة هيهات أن يجود الزمان بمثلها .. وفي كلتا الحالتين تكون النتيجة واحدة: استبعاد تجربة الرسول (ص) والراشدين من المناقشة .. وأصحاب هذا الاتجاه يريدون أن يفهمونا أنهم يخشون الاستبداد باسم الدين أكثر مما يخشون الاستبداد باسم القانون الوضعي، لأن الأول في نظرهم يحيط استبداده بقداسة دينية تجعل مقاومته أكثر صعوبة من مقاومة أي استبداد باسم النظم الوضعية،[1]هم مع ذلك لا يحدثوننا أبدا عن السهولة التي أمكن بها مقاومة النازية أو الفاشية أو الستالينية أو أي صورة من صور الديكتاتوريات الوضعية الأخرى، ولا يشرحون لنا كيف يمكن أن تؤدي الدولة الدينية إلى مصائب أكبر من حربين عالميتين غطت أهوالهما الكرة الأرضية كلها وخلفت أكثر من 70 مليون ضحية، أو كيف يكون قمع الدولة الدينية لمعارضيها أشد ضراوة من قمع ستالين لمعارضيه الذين قال السوفيت أنه كبدهم ما يناهز العشرين مليون قتيل، ولكن الأهم من ذلك كله أنهم لا يوضحون لنا من أين جاءوا بفكرة أن الدولة الإسلامية لابد أن تكون دولة استبدادية .. نحن بالتأكيد لا نقول أن الدولة يستحيل أن تكون استبدادية إذا تسلم السلطة فيها بعض المسلمين المتدينين .. نحن لا نقول بذلك، فالاستبداد مرض يمكن أن يصيب كل النظم التي يقيمها البشر .. ما نعترض عليه بشدة هو تصوير الموقف كما لو كان الإسلام لا يمكنه أن ينشئ إلا دولا مستبدة، أو أن الدولة الإسلامية بالذات لديها قابلية للوقوع في الاستبداد أكثر مما لدى النظم الوضعية، بينما التاريخ يؤكد أن الدولة الإسلامية كانت أقل عرضة لهذا المرض من كل الدول التي كانت معاصرة لها، وأن النظم الوضعية – من جهة أخرى - يمكنها أن تكون على درجة من الاستبداد لم يعرفها تاريخ البشرية من قبل. و
التاريخ: 28/04/2011
الكاتب: عاصم الفولى
منقول من موقع حزب العمل المصرى الاليكترونى
1< وهذا الفريق غالبا ما يطلق أفكاره في عبارات تفتقر إلى التماسك (حتى أساتذة الفلسفة منهم يفعلون ذلك)، وينطوي كلامهم في أحيان كثيرة على فرضيات – صريحة أو ضمنية – لا تستند إلى أية شواهد مقبولة من الفكر أو التاريخ الإسلاميين، ومع ذلك يحتجون بهذه الفرضيات كما لو كانت مسلمات راسخة يعترف بصحتها الجميع، فيقول الدكتور محمود أمين العالم – ونحن نقدر العديد من أفكاره في غير هذا المقام – في محاضرة له: ".. وهكذا تصبح القراءة الخاصة لدعاة هذه الحركة، التي تسيس الدين وتؤسلم السياسة، هي المرجع الذي يحتكر تطبيق الإسلام، ولما كان النص الديني نصا مقدسا، تنتقل القداسة بالضرورة من النص إلى هذه الجماعة أو هذه الحركة عندما تصبح في السلطة، فتصبح كلمة السلطة – سلطتهم – هي الكلمة المعبرة والمفسرة للكلمة المقدسة، وتصبح إرادة السلطة – إرادتهم – هي الإرادة المعبرة عن الإرادة الإلهية، وتصبح الحاكمية لله، التي يقول بها بعضهم، هي حاكميتهم، حينما كان الحاكم يعد نفسه ظل الله في الأرض والمنفذ لكلمته."[2]لم نعرف أبدا مذهبا ولا حركة في العالم السني منذ دولة الراشدين حتى اليوم أعطت لنفسها حق احتكار فهم الإسلام، ناهيك عن أن تعطي لنفسها حق احتكار تطبيقه، ولا نعرف عصرا في تاريخنا الإسلامي القديم أو الوسيط إنتقلت فيه قداسة النص إلى شخص الحاكم، وربما لاحظت أن الدكتور العالم في أكثر من موضع، وفي فقرة صغيرة قليلة المواضع، يقفز من مقدمة (هي أصلا غير صحيحة) إلى النتيجة التي يريد إقناعنا بها دون أن يوضح العلاقة – إن كان ثمة علاقة – بين المقدمة والنتيجة .. ولكن هذا ما قاله الدكتور العالم. .. ونحن بالطبع
ويكتب الدكتور وحيد رأفت نائب رئيس حزب الوفد – رحمه الله – في جريدة الوفد عدد 19/8/1986 ص7 :" إن الحكومة أو الدولة التي نخشاها ونرفضها ليست تلك التي يتولاها رجال مدنيون يحكمون بما أنزل الله وقرره رسوله، وإنما تلك التي يسيطر عليها رجال الدين هم أو علماؤه أيا كان وضعهم، لأن الحكم سياسة تحتمل الخطأ والصواب، ولكن الحكام من رجال الدين وفقهائه سوف يدعون لأنفسهم عاجلا أو آجلا الحق المطلق في تفسير أحكام الدين والدنيا."[3] كله أن له الحق المطلق في تفسير أحكام الدين؟ .. ناهيك عن أحكام الدنيا؟.. ثم كيف يمكنه أن يضمن أن الرجال المدنيين الذين يقبل أن يحكمونا بما أنزل الله وقرره رسوله لن يكونوا علماء في الشرع؟ فكل علمائنا الشرعيين مجرد رجال مدنيين عاديين إهتموا بتعلم هذا النوع من العلوم .. هل سيشترط مثلا حدا أقصى من العلم الشرعي لا يجوز لمن حصل على أكثر منه أن يعمل بالسياسة؟ ولا يقول لنا الدكتور من هم رجال الدين الإسلامي الذين يخاف منهم؟ أهم الفقهاء؟ وهل حدث أن زعم فقيه واحد في تاريخنا
ويقول الدكتور جابر عصفور أن الدولة الإسلامية لابد أن تخلق تضادا بين عالمين: "عالم الفرقة الناجية التي يتجه أفرادها إلى رمز هذه الصفوة ويدينون له بالسمع والطاعة فيمنحهم الرضا والرضوان، والبركة والغفران، ويخلع عليهم صفة الأتباع التي تعني المواطنة التي تعني بدورها السعادة في الدارين، وذلك مقابل الفرقة الهالكة الضالة المضلة، الموعودة بعذاب الدارين، واستئصال أفرادها من بين الرعية التابعين واجب وجوب إستئصال الزوان من الحنطة"، ولم يقل لنا سيادته من هو الخليفة أو الإمام - سوى إمام طائفة الحشاشين المعروفة في التاريخ – الذي زعم أنه يمنح أتباعه الرضا والرضوان والبركة والغفران ..الخ. .. من زعم لنفسه هذه القدرات في سابق تاريخ الإسلام؟ فلماذا يتصور سيادته أن أحدهم قد يفعلها في مستقبله؟ .. ثم من أين أتى بأن معارضي السلطة الإسلامية يمكن أن يسمح الشرع – على أي مذهب – باستئصالهم، ناهيك أن يقول أن استئصالهم واجب؟ فهذا علي بن أبي طالب قال عن معاوية وأنصاره الذين حاربوه فعلا: "إخواننا بغوا علينا"، وقال للخوارج الذين نعتوه بالكفر – نعم وصفوا أمير المؤمنين بالكفر، وتوعده بعضهم بالقتل، ونفذ وعيده فعلا - إنه لن يحاربهم، بل لن يمنعهم حقهم في الفيء من بيت المال الذي هو أميره، ما داموا لم يرفعوا عليه السلاح بالفعل، ومن موقف علي (رض) هذا من معاوية ومن الخوارج أخذ الفقه الإسلامي أحكام البغاة والخارجين على السلطة الشرعية .. فما هو المطلوب منا إذن ليرضى عنا الدكتور عصفور؟
وتقدم دورية "الديمقراطية" – عدد إبريل 2004 – ملفا عن الديمقراطية والإسلام، تستفتحه بمقال عن التسامح للدكتور عاطف العراقي، وبرغم عنوان المقال، فإن الدكتور يرفض التسامح مع مخالفيه، فيقول: "إن صاحب الفكر الرجعي المتطرف لا يصح أن يكون مواطنا بحيث نتيح له نشر أفكاره التي تؤدي إلى الفرقة بين أبناء الوطن الواحد .."[4] الذي مارسه البعض، فهو يتكلم عن أفكار يراها متطرفة من وجهة نظره، ويرفض أن يكون دحضها بالحوار، بل بالمنع والإقصاء الذي يذهب إلى حد نفي صفة المواطنة عن حامليها، ويكرر: "ولا مكان لمن يتاجر بالدين ويقوم باستغلاله لتحقيق مآرب شخصية .. لا خير في مواطن يقحم الدين في موضوعات لا صلة بينها وبين الدين"[5]§، أو عن الموضوعات التي تقحم على الدين وهو منها براء.. ثم يقفز على الموضوع كله ليقرر بدون أي محاولة للإثبات: "إننا أمام طريقين لا ثالث لهما، طريق النور والتقديس للعقل والإنفتاح على كل الثقافات والتسامح بين الأديان [يريد أن يتسامح مع كل الثقافات والأديان بينما هو لا يتسامح مع الإسلاميين الذين هم في نظره متطرفون لمجرد كونهم أصحاب فكر لا يعجبه -ع]، وطريق الظلام والسخرية من العقل وتقديس التراث"[6]الطريق الثالث، طريق احترام التراث وإحياؤه بالعقل وبالتفاعل مع كل الثقافات واقفين على أرضيتنا الخاصة؟ أليس هذا طريقا معقولا يمكن أن نحترم من يتبناه حتى لو اختلف مع اختيارات البعض منا؟ .. ثم يقفز الدكتور، مرة أخرى، فجأة وبدون مبرر – لا يمكنك أن تفهم مبرره من السياق، وإن كان لنا أن نفهمه من بعض كتاباته الأخرى التي اطلعنا عليها – ليقول: "نعم إن الطريق إلى السلام بين الأديان يعد طريقا سهلا ممهدا بشرط أن تكون لدينا الجرأة في نشر الثقافة التنويرية، فهل من المعقول أن يتحدث بعضنا، وممن في نفوسهم مرض وهوى، عن الدولة الدينية، وهل نريد لعالمنا العربي أن يخلط بين الدين والسياسة."[7]ين أنها كلام الله ورسوله .. لكن الأخطر هو أنه، وفي مقال عن التسامح [!!]، يعتبر أن كل من يدعو إلى دولة إسلامية هم مرضى نفوس وأصحاب هوى .. لماذا لا نكون – أو بعضنا على الأقل – مواطنين مخلصين لنا وجهة نظرنا الخاصة ولا نقول إلا ما نعتقد أنه الحق؟ .. من حقه أن يختلف معنا في الرأي، ويحاول إثبات خطأنا أو جهلنا، لكن لماذا يتهم النوايا والذمم؟، وأنا والله لم أسمع عن واحد له وزن من الإسلاميين كلهم على اختلافهم وتعدد مذاهبهم وحركاتهم يدعو إلى دولة دينية، كل من سمعتهم أو قرأت لهم يتحدث عن دولة مدنية يحكمها قانون مستمد من النصوص التي يعتقد كل المسلم، ولا ندري لماذا لا يرى الدكتور العراقي ، ولم يذكر لنا الدكتور أبدا ولا مثالا واحدا لهؤلاء المتاجرين بالدين الذين يقولون ما لا يعتقدون .. لاحظ أنه لا يتحدث عن رفض العنف المادي
وفي نفس عدد "الديمقراطية" مقال بعنوان "الدولة الدينية في دار الإسلام" يقول كاتبه في البداية: "إننا نصدر في بحثنا هذا عن إيمان علمي واضح ومحدد بأن الإسلام النظري النقي لا يعرف الدولة الدينية، أي الإمامة أو الخلافة، كشكل حتمي للدولة بدار الإسلام"[8] كشكل وحيد للدولة الإسلامية، فنظام الخلافة في نظرنا لا يعدو إلا أن يكون الحل الذي ابتكره الصحابة الكرام في مواجهة مشكلة رئاسة الدولة بعد الرسول (ص)، وتوقعنا بحثا في هذه المصادر النظرية النقية يبرهن به الكاتب على صدق مقولته، فنستفيد شواهد علمية إضافية تعزز اقتناعنا بالرأي الذي نتبناه بالفعل، ولكننا نجد خمسة صفحات كاملة يسرد فيها الكاتب روايات عن بعض مظاهر الانحراف والفساد المالي واستغلال السلطة في التاريخ الإسلامي، ولا بأس عندنا، فحتى لو صدقت كل هذه الروايات فهي تتكلم عن انحراف بعض الناس الذي يحسب عليهم ولا يضير الفكرة نفسها، ما دمنا نتكلم عن الإسلام النقي الذي نتلقاه من مصادره الأصلية في الكتاب والسنة، ولكنه يفاجئنا في نهاية هذه الصفحات بقوله: "وقد برهنا في المطلب الأول من بحثنا هذا على أن الإسلام النظري النقي لا يعرف طريقة محددة لإدارة شئون الجماعة"[9]فما علاقة سوء التطبيق بالموقف النظري للإسلام النقي؟ .. وهو يقول: "القول بوجوب "الدولة الدينية" بدار الإسلام يعني بحكم التعريف عدة أمور – بالضرورة – لعل أهمها جمع السلطتين الدينية والزمنية في يد واحدة، تملك لوحدها الحقيقة الوحيدة والمطلقة في أمور المجتمع والتأويل القانوني والفقهي معا، بحيث يعد أي اجتهاد فقهي أو حتى في النظر في شئون الجماعة خروجا لا يمكن السماح به ولا التسامح معه على أمور الدين وشئون الدنيا جميعا"[10]نفسها من الأساس، فإذا كان من لوازم الدولة الدينية أن تكون هناك سلطة دينية تجمع في يدها السلطة الزمنية، تمتلك لوحدها الحقيقة وتحتكر التأويل القانوني والفقهي، فإن تاريخنا يشهد بأن أحدا عندنا – خليفة أو فقيه - لم يزعم لنفسه أبدا امتلاك الحقيقة الوحيدة والمطلقة في أمور التأويل القانوني والفقهي، وهذه المذاهب الأربعة التي تقف بخلافاتها جنبا إلى جنب – وهي فقط ما عاش واستمر من حوالي عشرين مذهبا – تشهد بذلك، لم تكن عندنا إذن دولة دينية في دار الإسلام .. برغم هذا يقرر - لا ندري استنادا إلى ماذا – أنه ".. في يقيننا العلمي وبصراحة، فإن ما عانيناه ونكابده حتى الآن طوال حياتنا المديدة من سلبية [..] هو بعض من الآثار البالغة الضرر والتي نجمت عن سيادة فكرة الدولة الدينية في "دار الإسلام" .. وإن استمرت الدعاية الجهولة الحمقاء لها والتي يفسح مناخ القهر التقليدي مجالات عديدة لترعرع فكرة "الدولة الدينية" والتباكي عليها من وقت لآخر"[11] .. هكذا ببساطة .. كلامنا كله مجرد دعاية، ودعاية جهولة حمقاء. >1، وهي جرأة عجيبة أو سوء فهم مذهل، فمعنى هذه العبارة ينسف دعواه ، وأقسم بالله العظيم إنه لم يفعل، لا من قريب ولا من بعيد، فهو لم يتناول أبدا "الإسلام النظري"، وانصب كلامه كله على بعض مظاهر سوء التطبيق .. ، ونستبشر خيرا، فنحن أيضا نؤمن بأن مصادر الإسلام النقي لا تقول بحتمية نظام الخلافة
* * * * *
لماذا يتسم كلام هؤلاء الناس بكل هذا الخلط والتشوش وعدم الموضوعية؟ لماذا نعجز عن العثور على مقدمات صلبة وحقائق تاريخية موثقة تقود من خلال تحليل منظم واضح الخطوات – حتى لو لم نقبله – إلى تلك النتائج التي يريدون إقناعنا بها؟ لماذا يقفزون إلى نتائجهم هكذا بدون بناء برهان منطقي متماسك يثبت صحة دعاواهم؟ لماذا يصادرون على المطلوب ويقدمون دعاواهم كما لو كانت مسلمات بديهية لا ينكرها إلا جاهل أحمق ظلامي التفكير ضيق الأفق مريض بإتباع الهوى .. وعلى الأخص: متاجر بالدين؟ .. السبب في تقديرنا هو أنهم يريدون إقناعنا بفكرة لا يمكن إثباتها بالمنطق أو بأي منهج علمي، فهم يريدون إقامة دولة على أسس تعارض عقائد وتصورات وقيم الشعب الذي ستحكمه، وفي نفس الوقت لا يريدون أن يعلنوا بصراحة معارضتهم لهذه العقائد والتصورات والقيمª .. لا يمكنك أن تأكل الكعكة وتحتفظ بها في نفس الوقت.
قد يتصور بعض معارضي المشروع الإسلامي – من أنصار وجهة النظر التي نعرضها في هذا الفصل – أنهم لا يفعلون أكثر من مجرد تبني ذات الأسس التي أقام عليها الغرب نهضته الحديثة.. وهذا التصور غير صحيح، فالذي حدث في عصر النهضة الأوروبي لم يكن عزل للدين عن الدولة، بل كان أولا: عزل الكنيسة كمؤسسة عن التدخل في شئون الحكم، وثانيا: إنكار أن الملوك يحكمون بتفويض من الله، ولكن التدين ظل قيمة مرغوب فيها من الشعوب، وظل احترام الدين مسألة جوهرية عندما يتعلق الأمر بالقبول الجماهيري للحكام.ªª
* * * * * *
في سبتمبر 1984، وخلال جولته الانتخابية لتجديد مدة رئاسته في نوفمبر، وقف الرئيس رونالد ريجان يعلن أنه متمسك بالدين في حكمه، ورفع الإنجيل بيده صائحا: "إننا نربط حكمنا بهذا الكتاب، فليس عاقلا ذلك الذي يفرق بين السياسة والدين، وكيف نبتعد عن ديننا وكتابه هذا قد قدم لنا ما يسعدنا في دنيانا وفي أخرانا؟"[12] لم تكن موجودة أصلا بتلك الصورة الفجة التي تعرض عندنا .. فلم يكن ما تبنته أوروبا إبان نهضتها هو فصل شئون الدولة عن مبادئ الدين، ربما ورد هذا في أقوال بعض الفلاسفة وتبنته بعض الحركات السياسية، أما ما تبنته أغلب النظم والشعوب فكان عزل أصحاب السلطة الدينية (البابا والكنيسة) عن أعمال السلطات العامة، ونزع القداسة عن سلطات الملوك بإنكار حقهم الإلهي في الحكم .. هذا هو ما حدث عندهم، فما زالت الملكة هي رأس الكنيسة الإنجليزية حتى اليوم، وما زالت دول أوروبية عديدة تحكمها، أو تسعى إلى حكمها، أحزاب ديمقراطية مسيحية، أما حكايات منورينا – القائمين على تنويرنا – فهي أساطير لا نعرف من أين جاءوا بها، وهي سوء فهم في أفضل الظروف، ولن نتكلم عن أسوأها... أين ذهبت إذن حكاية فصل الدين عن الدولة؟ .. أبدا .. إنها
* * * * * * *
لقد اعتقدت مسيحية العصور الوسطى أن تعاليم المسيح تهتم بأمور الروح على حساب شئون الجسد، وبالمثل رأت أن الدولة تتكون من روح وجسد، وأن الله – مصدر كل السلطات – قد منح البابا والكنيسة السلطة الروحية، ومنح الإمبراطور والحكام السلطة الزمنية المادية، ولما كانت الروح تهيمن على الجسد، فإن سلطة البابا الروحية يجب أن تكون فوق سلطة الإمبراطور الزمنية،[13] وسلطة البابا الروحية تعني أنه وحده يتحدث باسم الله، وأنه يتلقى عن الروح القدس، فهو وحده الذي يتولى تفسير الكتاب المقدس، وهو معصوم من الخطأ، ومن باب أولى من الظلم أو إتباع الهوى،[14] وما يقوله البابا يعد تشريعا ينقله عن الله لا يراجع فيه ولا يناقش§، وهو يملك غفران الخطايا وإدخال الناس الجنة، كما يملك حرمانهم منها، ولا يكون المرء مسيحيا إلا إذا تولى تعميده أحد رجال الدين المخولين بذلك من البابا، ولا يكون زواجه شرعيا إلا إذا تولى العقد رجل دين، فالزواج سر من أسرار الكنيسة لا ينعقد إلا على يد رجل خولته الكنيسة سلطة عقده، ولا يصلي المسيحي إلا خلف رجل دين .. الخ. مما هو معروف عن صلاحيات رجال الدين المسيحي .. ولاحظ أن المرء لا يمكنه أن يكون رجل دين مهما كانت درجة صلاحه الخلقي أو حماسه والتزامه الديني أو ما أكتسبه من علوم دينية، إنه يصبح رجل دين فقط إذا عينه البابا، وهو يكتسب هذه الصفة بالتعيين حتى لو كان خال تماما من أي صفة من صفات الصلاح الديني، وبالعكس، إذا عزله البابا انعزل وفقد صفته مهما كان صالحا في ذاته أو في عيون الناس.
يغدو من العسير التعامل مع مؤسسة لها مثل هذه السلطات عندما تقرر هذه المؤسسة أن تقود الناس في حياتهم العملية وأن تتدخل في تفاصيل الطريقة التي يديرون بها أمورهم، فأنت لا تستطيع معارضة شخص يفرض عليك إيمانك الديني أن تسلم بعصمته إلا إذا تحررت من هذا الإيمان ذاته .. ولا يمكنك مناقشة قيمة الأفكار التي يقول رجل الدين أنه تلقاها من الروح القدس إلا إذا أنكرت صلته بالروح القدس، أو أنكرت وجود روح قدس من الأصل .. وكيف تجرؤ على مخالفة أوامر رجل تعتقد في قرارة نفسك أنه يملك بمجرد قرار منه دون نقض أو إبرام أن يحرمك من دخول الجنة ويفرض عليك الخلود في النار؟ .. لكن رفض تدخل "رجال الدين" في "إدارة الدنيا" لم يكن رفضا للدين – في بدايات عصر النهضة على الأقل – فأول حركة انتصبت لهذه المهمة، مهمة عزل رجال الدين عن التدخل في أمور الدولة، كانت حركة دينية صرف – البروتستانتية – تدعو إلى العودة إلى الكتاب المقدس وتتبنى القول المنسوب إلى السيد المسيح:"إعط ما لله لله وما لقيصر لقيصر".
ولكن مالنا نحن وهذه القضية؟ .. لم يوجد في تاريخ الإسلام كله من زعم لنفسه سلطة روحية، 2< والإمام محمد عبده قالها منذ أكثر من مائة عام: "ليس في الإسلام ما يسمى عند القوم بالسلطة الدينية بوجه من الوجوه .. ولا يجوز لصحيح النظر أن يخلط الخليفة عند المسلمين بما يسميه الإفرنج (ثيوكراتيك)، فإن ذلك عندهم هو الذي ينفرد بتلقي الشريعة عن الله وله حق الأثرة في التشريع، وله في رقاب الناس حق الطاعة، لا بالبيعة وما تقتضيه من العدل وحماية الحوزة، بل بمقتضى حق الإيمان"[15]، ولا من حقه الإستئثار بتفسير الكتاب والسنة، ومن ثم فإن الدين لا يخصه في فهم الكتاب والعلم بالأحكام بمزية، ولا يرتفع به إلى منزلة، بل هو وسائر طلاب العلم في الفهم سواء"[16] ".. ولا يتوهمن أحد أن للخليفة سلطة روحية شبيهة بما تنسبه النصارى للبابا في روما .. ولكن معنى أنه الرئيس الأعلى للمسلمين أن هناك شعائر عامة يقوم بها المسلمون جماعة، كالصلاة والحج، وهذه لا تتم إلا بإمام، هو الخليفة."[17] "ليس في الإسلام سلطة دينية سوى سلطة الموعظة الحسنة والدعوة إلى الخير والتنفير من الشر، وهي سلطة خولها الله لأدنى المسلمين يقرع بها أنف أعلاهم."[18] >2 وعندما يتحدث محمد عبده عن السلطة الدينية الوحيدة التي عرفها المسلمون يقول:.. أما الدكتور عبد الرزاق السنهوري فيقول: .. ويقول: "الخليفة عند المسلمين ليس بالمعصوم، ولا هو مهبط الوحي
وبعيدا عن أقوال المسلمين الذين قد يتهموا بالتدليس وإخفاء الحقيقة دفاعا عن دينهم وحضارتهم، نستشهد بقول توماس أرنولد، المستشرق الذي لم ينظر إليه أبدا على أنه متعاطف مع الإسلام: "إن النص الديني محصور في القرآن والسنة، وتفسيرهما ليس للخليفة، بل للعلماء، ولذا فليس للخليفة أي سلطات روحية، وهو لا يتحكم في دين الناس، بل حتى إمامة الصلاة التي يقوم بها الخليفة ... يمكن أن يؤديها أقل مواطن من رعيته شأنا، العبد والغلام والراعي، لا كهانة في الإسلام ولا هيئة منفصلة تقوم بالواجبات الدينية، ولا طقوس لا يسمح للعامة أو مجموع الأمة بممارستها" .. ويستطرد .. "المسيحيون حاولوا أن يفهموا الإسلام من منظور مسيحي، فلم يفهموا الفارق بين دين لا ينسب للخالق أي صفة بشرية وبين دين يؤمن بالتجسد ... لا يوجد في العالم الإسلامي هذا الفصل بين الكنيسة والدولة، العلماء أدانوا ظلم الخلفاء، ولكن ليس كهيئة دينية ضد سلطة مدنية، بل كأفراد مدنيين .. الخليفة لا يمارس أي سلطة روحية ولا عليه واجبات دينية تميزه عن بقية المؤمنين."[19]
* * * * * * *
أما حق الملوك الإلهي فيرتد في المسيحية إلى تعاليم بولس الرسول، الذي اعتبر أن طاعة السلطة – أي سلطة بغض النظر عن شرعيتها واحترامها للقانون ومعايير العدالة – فضيلة يجب أن يتحلى بها المؤمن، لأن السلطة عنده مردها إلى الله،[20]، بأن يرشد الناس من خلال توجيهه للحوادث لإختيار الحاكم الذي يرغب فيه الله، وهذا التطوير وإن كان يجعل للشعوب دورا في اختيار الحكام، إلا أنه في النهاية ما زال يعطي الحاكم سلطانا مطلقا يجعله غير مسئول إلا أمام الله،[22] "إن زعزعة الطاعة وإثارة الفتنة ليس مجرد عيب في الذات الملكية، وإنما هو عيب في الذات الإلهية."[23] وحتى أواخر القرن التاسع عشر ظلت هذه هي نظرية الكنيسة، فالبابا ليون الثالث عشر في رسالته الصادرة في عام 1885 يقول صراحة: وتبنت الكنيسة الكاثوليكية نظرية متكاملة لهذا الحق وأصلَها قديسوها، فكل سلطة عندهم مصدرها الإرادة الإلهية، وبناء عليه تكون سلطة الحاكم ملزمة، لأنه ليس إلا منفذا لإرادة الله .. من عصا الأمير أو الحاكم فقد عصى الله .. والحكام لا يسألون أمام أحد من البشر، إنما مسئوليتهم أمام الله وحده .. صحيح أن الحاكم ليست له طبيعة إلهية، ولكنه يستمد سلطته من الله دون تدخل أي إرادة أخرى في إختياره[21] .. ثم في العهد المدرسي الكنسي (من القرن التاسع حتى القرن الخامس عشر) ظهرت فكرة أن الله لا يختار الحاكم بشكل مباشر، ولكن بشكل غير مباشر
ونظرية الحق الإلهي تعطي الملك سلطة مطلقة في سن القوانين وتعديلها أو إلغائها متى أراد، والملك لا يسأل عن قراراته أو تصرفاته .. الملك لا يخالف القانون لأن إرادته هي القانون، فهو يستمد سلطانه من الله.[24]
فأين يمكن للقارئ المنصف أن يشتم رائحة هذه المبادئ أو يجد لها أثرا في تاريخ المسلمين أو في آراء أئمتهم؟ 3< إن المشكلة التي عانت منها الدولة الإسلامية لم تكن محاولة الخلفاء أن يكون حكمهم نيابة عن الله أو زعم الحكام قداسة لأشخاصهم وآرائهم، ولكن المشكلة الأساسية التي واجهتها كانت، على العكس، هي إجتراء المسلمين على السلطة وتكرار خروجهم عليها باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسبة لوجه الله الكريم،[25]حتى انشغل علماؤنا وفقهاؤنا بمحاولة ضبط هذه العملية ووضع معايير لها، متى تجوز الثورة على الحاكم ومتى لا تجوز، وما هي الوسائل المشروعة وغير المشروعة لتحقيقها ... الخ.، ولكن واحد من علماء السنة المعتبرين لم ينكر أبدا حق الأمة في الرقابة على الحاكم والإعتراض عليه وعزله متى توفرت الأسباب وامتلكت الإمكانيات.[26]
والمجتهدون هم الذين يقومون باستنباط الأحكام من مصادرها الشرعية، يقول السنهوري: "الخليفة، وهو رأس الحكومة الإسلامية، لا يملك من سلطة التشريع شيئا، ولا يشترك فيها باعتبار أنه خليفة، بل يوصف بأنه مجتهد – إن كان مجتهدا – شأنه في ذلك شأن سائر المجتهدين"[27]، فأين هذا من الملك الذي إرادته هي القانون؟ .. وماذا تعني إذن عبارة جمال الدين الأفغاني التي يقرر فيها حق الأمة في أن تبايع حاكمها بعد أن تشترط عليه أن يقسم على "الأمانة والخضوع لقانونها الأساسي (الدستور)، وتتوجه على هذا القسم، وتعلن له: "يبقى على رأسها ما بقي محافظا أمينا على صون الدستور، وإذا حنث بقسمه وخان دستور الأمة: إما أن يبقى رأسه بلا تاج، أو تاجه بلا رأس."[28] >3
صحيح أننا قد نجد أقوالا لبعض خلفاء حاولوا أن ينسبوا سلطانهم – ضمنا - إلى الله تعالى، كالقول المنسوب إلى معاوية:"الأرض لله .. وإني خليفة الله، فما أخذت فلي، وما تركت للناس فبالفضل مني"، أو ذلك الذي ينسب إلى أبي جعفر المنصور:"إنما أنا سلطان الله في أرضه، وحارسه على ماله .. جعلني عليه قفلا، إن شاء أن يفتحني لإعطائكم، وإن شاء أن يقفلني.."،[29] ولكن هذا – إن صح – كان مجرد كلام قيل في مناسبات معينة، ولم يكن له أي إنعكاس في الواقع، فالناس لم يصدقوه ولم يعاملوا الخلفاء على أساسه، ولا الخلفاء أنفسهم حاولوا في أي وقت أن يتصرفوا على أنهم يتمتعون بأية سلطات إلهية، خلا الحاكم بأمر الله الذي فعلها عندما فقد عقله، أو ربما اعتبروا أنه فقد عقله لأنه فعلها، لكن الخلفاء كلهم ظلوا لا يتدخلون بأية طريقة في التشريع الذي كان على الدوام من إختصاص المجتهدين، وما كان واحدا منهم يجرؤ على الخروج علنا على الأحكام الشرعية التي يستنبطها الفقهاء، حتى سلاطين الدولة العثمانية في عنفوان قوتها لم يفعلوها، فعندما أراد السلطان سليم الأول إرغام رعاياه على اعتناق الإسلام – ربما جريا على ما كان عليه الحال في أوروبا من إرغام الرعايا على إعتناق مذهب الملك، لا مجرد دينه – وقف له شيخ الإسلام زينيني أفندي وقال: ليس لك على النصارى واليهود إلا الجزية، وليس لك أن تزعجهم عن أوطانهم، فرجع السلطان عن عزمه امتثالا للشرع.[30]
أن ظاهرة ما سمي "فقهاء السلطان"، والتي وإن كانت تعني وجود بعض ضعاف النفوس ضمن المنتسبين إلى الفقه، إلا أنها تؤكد الأصل المستقر، وهو أن السلطان لا يمكنه إصدار قوانين إلا إذا أقره عليها الفقهاء، ولذلك فهو في حاجة لشراء ذمم بعضهم حتى يمكنه تنفيذ ما يريد إذا خالف الشريعة، أما صاحب الحق الإلهي فلن يفكر في ذلك لأن إرادته هي القانون وهي الشريعة .. وإذا كان البعض قد استخدم بعد القرن الخامس الهجري عبارات مثل: "ظل الله في الأرض"، أو: "ظل الله الممدود" في مخاطبة بعض الخلفاء – خاصة العثمانيين – فهذه لم تكن أكثر من صياغات تعبر عن الولاء والخضوع من جانب الأتباع،[31]فحقيقة التعامل هي التي تحدد حقيقة المعنى الذي كانوا يرمون إليه .. فبالتأكيد لا يمكن فهم طبيعة السلطة من عبارات النفاق التي يستخدمها الموظفون ورجال البلاط وبعض الكتاب الطامعين في عطاء السلطان .. تصور مثلا لو أن أحد المؤرخين في المستقبل أراد أن يحدد الطريقة التي تعامل بها المصريون مع السلطة في زمننا هذا فاعتمد على نصوص قالها البعض من أن: "مصر تعيش الآن أزهى عصور الديمقراطية"، فقال أن هذا النظام هو ما رضي به المصريون واعتبروه "الديمقراطية"، متجاهلا كل ما يقوله باقي الناس، وما يقوله أهل السلطة أنفسهم عندما يتكلمون كلاما جادا، فيقتصرون على الكلام عن هامش الديمقراطية الذي يرجون أن يتمكنوا من توسيعه في المستقبل إن شاء الله، ففي الكلام الجاد ينقسم المصريون بين معارضة لا ترى من الديمقراطية إلا زخارف على السطح لا قيمة لها، وأنصار للنظام يرون أن هذه ليست إلا مقدمة، وأن الديمقراطية الحقيقية ستأتي فيما بعد .. لا أحد – ولا حتى الحكام أنفسهم - يعتقد أن مصر تعيش عصرا من عصور الديمقراطية، ناهيك أن يكون أزهى عصورها، وبالمثل لم يكن أحد يصدق حكاية ظل الله في الأرض، بمن في ذلك قائليها، فلم يحدث أنهم عاملوا الخليفة في أي وقت على أنه كما يقولون .. الكلام لابد أن يتحقق بالممارسة حتى يمكن أن نعده تعبيرا عن حقيقة العلاقات القائمة على أرض الواقع. وما يعول عليه في هذا الصدد هو آراء الفقهاء، ونظرة جمهور الأمة إلى الخلفاء، والأهم من ذلك: الطريقة التي تعامل بها هؤلاء الولاة والأتباع أنفسهم مع سلطة الخليفة،
* * * * * * *
وأول حاكم لأول دولة إسلامية – محمد بن عبد الله (ص) – لم تكن له أية سلطة روحية، رغم أن الإسلام يلزمنا أن نقر بعصمته في التبليغ عن الله، ما قال أنه وحي فهو كما قال، لا يكذب أبدا، ولا يخطئ عندما ينقل كلام الله، وكل ما قاله كبيان وتفسير لكلام الله فهو تشريع ملزم لنا.. يمكننا أن نتشكك في صحة الرواية، وأن نرفض التسليم بأن حديثا ما هو حقا من كلامه (إذا عجز الرواة عن إثبات صحة النقل)، ولكن متى قام الدليل على صحة الحديث فهو تشريع ملزم .. يمكننا أن نختلف في فهم كلامه، وقد اختلف الفقهاء في استنباطهم للأحكام، ولكن لا يمكن لأحد أن يطرح كلامه جانبا أو يعارضه ثم يظل بعد ذلك مسلما إلا إذا استند إلى كلام آخر رآه أصح في النقل عنه (ص) .. ومع كل ذلك لم يكن له أي نوع من أنواع السلطة الروحية على المسلمين، فلا يمكنه أن يرفض دعوى من إدعى الإسلام إلا إذا أتى هذا المدعي فعلا أو قال قولا ينقض دعواه.. كان دائما يقبل من الناس علانيتهم ويقول أنه يكل السرائر إلى الله، ولم يقل يوما إنه يملك غفران الذنوب، كان يملك أن يستغفر لهم الله، أن يدعو لهم بالمغفرة، ويستجيب الله دعاءه أو لا يستجيب، والقرآن ذاته صريح في ذلك، 4< كما نزل في عبد الله بن أبي رأس المنافقين "استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم، .." التوبة:80، وكل الآيات التي يستشهد بها علي عبد الرازق وغيره ممن يزعم أن الرسول (ص) لم تكن له سلطة على المؤمنين إنما نزلت في هذه السلطة الروحية بالذات: "لست عليهم بمصيطر" الغاشية:22، "قل لست عليكم بوكيل" الأنعام:66، "من يطع الرسول فقد أطاع الله، ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا" النساء:80، ".. "وما أنت عليهم بجبار، فذكر بالقرآن من يخاف وعيد" ق:45 .. فإذا كان الرسول (ص) نفسه لا يملك أي سلطات روحية، فمن غيره في الإسلام يملك؟ >4
وأول حاكم لأول دولة إسلامية، والذي كان يتصل حقا بالسماء يتلقى منها الوحي – هكذا يؤمن كل أتباعه على الأقل – لم يصل إلى السلطة كحاكم بتنصيب السماء له، بل ببيعة المسلمين وإقرارهم له بهذه السلطة،[32] (ص)، ولا لأي بشر غيره، بها .. وعندما أراد أن يضع دستورا لحكمه في المدينة – الصحيفة – لم يقم بإملائها إملاءا، ولو فعل لقال المؤمنون سمعنا وأطعنا، ولكنها جاءت ثمرة مناقشات ومشاورات بين الرسول (ص) والصحابة من مهاجرين وأنصار ومن معهم من الجهنيين والبلويين والقضاعيين وكل من هاجر إلى المدينة، وكلما اتفقوا على بند أملاه الرسول (ص)، وصار يدخل في أهل الصحيفة كل من لحق بهم وجاهد معهم و"أقر بما فيها" .. أي وافق على الإلتزام ببنود الدستور، حتى لو كان يهوديا أو مشركا يرفض الإسلام كعقيدة .. مجرد حكومة مدنية دستورية (مهما كانت الفكرة بسيطة وفي بدايتها ولكن المبدأ تم إقراره من أول يوم) لا حكم مطلق ولا تفويض إلهي ولا سلطان مقدس ولا يحزنون. فالمرء يدخل الإسلام بدون هذه البيعة (وحادثة الرجل الذي قتله أسامة بن زيد بعد نطق الشهادتين تعد دليلا قاطعا على أن الرسول (ص) إعتبره مسلما بمجرد النطق بالشهادتين ودون حاجة للبيعة)، فالبيعة هي إقرار بالدخول في أمة الإسلام السياسية ولا علاقة لها بالحالة الإعتقادية للشخص، والتي لا شأن للرسول
وهذا الحاكم – بأبي هو وأمي – لم تكن لقراراته بصفته رئيس الدولة (الإمام) أي قداسة إلهية، لا هو زعمها لنفسه ولا الصحابة اعتبروه كذلك، فقد كان يقضي في الخصومات بالدليل وشهادة الشهود، ويقول لمن حكم لصالحه أنه إنما يحكم بالظاهر، ويحذره: إن كان الحكم بخلاف الحق فإني إنما أقتطع لك قطعة من النار .. وأصحابه يسألونه عند كل قرار: أهو وحي من السماء أم هو رأيه؟ فإن قال إنه رأيه ناقشوه وجادلوه، وربما عارضوه، 5< وتذكر كتب السيرة حالات كثيرة نزل فيها الرسول (ص) على رأي أصحابه المخالف لرأيه (ربما كان أشهرها حادثتي تعديل الخطة الحربية في بدر والخروج من المدينة في أحد، ولكن الأمثلة كثيرة بشكل ملحوظ) .. والقرآن نفسه ينزل معاتبا له على بعض قراراته، فعندما قبل الدية في أسرى بدر موافقا لرأي أبي بكر وبعض الصحابة جاءت آيات القرآن لتقول أن رأي عمر كان أولى بالإتباع "ما كان لرسول أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض، تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة، والله عزيز حكيم" الأنفال:67، ولما قبل اعتذار بعض الناس عن الخروج في غزوة العسرة نزل القرآن: "عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين" التوبة:43 .. هل هذا حاكم تتصف قراراته بالقداسة؟ >5 .. ها هو يقول أنه يحكم بالظاهر ويحتمل ألا يكون حكمه هو الحق ذاته، وأصحابه يراجعونه ويعارضونه وينزل عند رأيهم، والله سبحانه وتعالى يقول في قرآن نتعبد بتلاوته إلى يوم الدين أن رسوله غير معصوم في قراراته العسكرية والسياسية والإدارية.
* * * * * * * *
الإرتباك والتشوش الذي تعاني منه الأفكار التي يطرحها هذا الإتجاه الرافض للدولة الإسلامية بزعم الخوف من أنها ستكون دولة دينية على غرار ما حدث في أوروبا العصور الوسطى، هذا الخلط والتشوش إنما هو نتيجة الخلط - عمدا أو جهلا – بين مبدأ أن يكون الله مصدرا لسلطة الحاكم، ومبدأ آخر مختلف تماما: أن يكون الله مصدرا للقانون الذي يقف الحاكم والشعب معا على قدم المساواة أمامه.
إذا كان ثمة دين يقول أن هناك بشرا يستمدون سلطاتهم من الله، ويمارسونها باسمه، ولا يسألون إلا أمامه، فإننا ربما نجد فولتيير على حق عندما يقول عن مثل هذا الدين: "إن التوحيد بين الدين والدولة لهو أبشع نظام، لذلك يجب إلغاؤه وإقامة نظام آخر يخضع فيه رجال الدين لنظم الدولة، ويخضع فيها الراهب للقاضيª .. إنه لا يمكن طاعة البشر باسم طاعة الله، لابد من طاعة البشر باسم قوانين الدولة."[33] .. ونحن نوافق فولتيير تماما في ما ذهب إليه، أما ديننا فهو الذي جعل الحاكم بشرا يجوز عليه الخطأ والصواب لأول مرة في تاريخ البشرية، وجعل مناصحته ومراجعته وأمره ونهيه دينا، وجعل طاعته واستمراره رهنا بالتزامه بالشرع الذي أختير لحراسته، وجعل عزله عند العدول عن إقامة الشرع واجبا شرعيا على الأمة، فكيف يمكن سحب كلام فولتيير على مثل هذا الحاكم؟
والحديث يقول: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" .. فهل يتصور أحد أن يجور من كان يحكم باسم الله؟ وما دام الرسول يقول أن السلطان يمكن أن يجور، وأن مواجهته بجوره هي "أفضل الجهاد"، فمعنى هذا بوضوح أن شرعنا ينزع عن الحكام أية صفة دينية.. وأول خليفة يقول في خطاب قبول التكليف: "أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم .." أنه يعلم، ويعلن للأمة ما يعلمه: أنا حاكم مدني خاضع للشريعة، طاعتي واجبة باسم الشريعة فقط، ولكم أن تختلفوا معي فنحتكم أنا وإياكم إليها، وإن خالفته فأنتم غير ملزمين بطاعتي .. وأبو حامد الغزالي يقول ما تكرر عند غيره بصيغ مختلفة:"إن السلطان الظالم عليه أن يكف عن ولايته، وهو إما معزول أو واجب العزل، وهو على التحقيق ليس بسلطان" .. فالسلطة في الدولة الإسلامية سلطة مدنية منتخبة، تمارس الحكم بتوكيل من الأمة، أما السلطة الدينية في الغرب فقد اقترنت بادعاء التفويض الإلهي واستمرار احتكار السلطة .. في الدولة الإسلامية يظل الدين مصدرا للقانون والقيم، ولكنه ليس مصدرا للسلطة بأية حال.[34]
--------------------------------------------------------------------------------
[1] د. محمد عمارة، "الإسلام والسياسة .."، م. س. ذ. ص 142
[2] فهمي هويدي، "المفترون .."، م. س. ذ. ص 91
[3] نقلا عن: رفعت سيد أحمد، "وثائق تنظيمات الغضب الإسلامي في السبعينات" (مكتبة مدبولي، القاهرة، 1987)، ص 17
[4] د. عاطف العراقي، "التسامح .. قضية مصر" (دورية "الديمقراطية"، السنة الرابعة، العدد 14، إبريل 2004، ص ص 21 – 26)، ص 23
[5] المرجع السابق، ص 25
§ لا ننكر طبعا أن هناك من يتاجر بالدين، لكن الذي يتاجر بالدين شخص لا يعتقد صدق ما يقول، فهو يرفع شعارات لا يؤمن بها سعيا لكسب رضاء المتدينين أو لتحقيق منافع دنيوية، أما الشخص الذي يؤمن بصدق الشعارات التي يرفعها ويقبل تقديم بعض التضحيات في سبيلها فكيف نعتبره متاجرا بها؟ .. يمكننا بالطبع أن نراه مخطئا، وأن نفند دعاواه التي لا نعتقد بصدقها، لكن ما الذي يعطينا الحق في أن نعده متاجربا بما يرفع من شعارات؟ ولماذا لا نتكلم عن المتاجرة بالوطنية والليبرالية؟ وما الذي يمكن أن يرد به الدكتور إذا زعمنا أنه في هذا المقال يتاجر بالتسامح؟
[6] المرجع السابق، ص 23
[7] المرجع السابق، ص 24
[8] على فهمي، "الدولة الدينية في الإسلام" (دورية "الديمقراطية"، السنة الرابعة، العدد 14، إبريل 2004)، ص 39
[9] المرجع السابق، ص 46
[10] المرجع السابق، ص 45
[11] المرجع السابق، ص 46
ª للبعض منهم عواطف إسلامية حقيقية، غير أن تربيته الثقافية المتغربة تسيطر على فكره، ومنهم طائفة أخرى يكن الواحد منهم كل الاحترام للإسلام، ولكنه يراه مجرد تراث نملكه ولا يملكنا، يجوز لنا أن نطور بعض عناصره وأن نستبعد الأخرى دون أن يقدح هذا في قيمته التراثية عندهم، ومع هذا يجب ألا نتجاهل أن هناك من يعتقد أن الإيمان الديني – بأي دين – هو أمر متخلف وضار ومعوق لجهود التنمية، وهذا الصنف الأخير يضمر محاربة التدين بأي دين ويعتبر هذه الحرب نضالا شريفا لتحرير الشعب من الأوهام التي تكبله وتعوق إنطلاقه إلى رحاب المستقبل .. الخ.، لكنه لا يستطيع مكاشفة المريض بحقيقة مرضه، وهذا المريض يرفض تناول الدواء بسبب الأوهام الخاطئة والخرافات الموروثة التي تسيطر عليه، لذلك يحتال عليه ليعطيه الدواء، وهو يفعل ذلك لتحقيق ما يظن بإخلاص أنه مصلحة المريض.. وبجوار كل هؤلاء هناك بالتأكيد الخونة والعملاء، الوكلاء الحقيقيون لشئون الفتنة.
ªª قد لا يحترم الإنسان أحكام الدين في حياته الشخصية، لكنه يظل معترفا بأن احترام هذه الأحكام هو أمر جيد ومرغوب، وعندما يتناول تصرفات الحكام فإنه يتوقع منهم مسنوى مرتفع من الالتزام الديني، ولهذا يرى غالبية الشعب الإنجليزي أن تشارلز غير جدير بأن يتوج ملكا عليهم بسبب علاقته بإمرأة متزوجة، مع أن ما فعله تشارلز شائع ومنتشر بينهم، ولا توجه أية انتقادات لمن يقترف ذات الأفعال من عوام الناس .. لكنهم يرون للملك وضعا مختلفا.
[12] د. إبراهيم عوضين، "ردود إسلامية في قضايا معاصرة" (المؤسسة العربية الحديثة، القاهرة، 1989)، ص 28
[13] د. فريال حسن خليفة، "نقد فلسفة هيجل" (دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 1998)، ص 195
محمد جلال كشك، "قراءة في فكر التبعية" ، م. س. ذ. ص 137[14]
§أما الخليفة الثاني عندنا فظل يجادل الصحابة ثلاثة أيام كاملة ليقنعهم برأيه في مسألة تقسيم أرض العراق على الفاتحين، ولم يسلموا له إلا عندما أيد كلامه بآيات من سورة الحشر، وعندما وقف على المنبر يحاول إصدار تشريع لمنع المغالاة في المهور عارضته إمرأة من الحضور محتجة عليه بآية من سورة النساء فرجع عن عزمه وقال قولته الشهيرة: "أصابت إمرأة وأخطأ عمر" .. إلخ.
[15] د. أحمد كمال أبو المجد، "حوار لا مواجهة"، م. س. ذ. ص 126
[16] فهمي هويدي، "الإسلام والديمقراطية" (مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة، 1993)، ص 187
[17] د. محمد عمارة، "الإسلام والسياسة .."، م. س. ذ. ص 98
[18] فهمي هويدي، "الإسلام والديمقراطية" م. س. ذ. ص 105
[19] محمد جلال كشك، "قراءة في فكر التبعية" ، م. س. ذ. ص 139
[20] د. صبحي عبده سعيد، "شرعية السلطة والنظام في حكم الإسلام – دراسة مقارنة" (دار النهضة العربية، القاهرة، 1999)، ص 245
[21]المرجع السابق، ص 22
[22] المرجع السابق، ص 24
[23] المرجع السابق، ص 248
[24] د. عاصم أحمد عجيلة ود. محمد رفعت عبد الوهاب، "النظم السياسية" (نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، ط5، 1992)، ص 21
[25] فهمي هويدي، "المفترون .."، م. س. ذ. ص 93
[26] فهمي هويدي، "الإسلام والديمقراطية" م. س. ذ. ص 199
[27] د. محمد عمارة، "الإسلام والسياسة .."، م. س. ذ. ص 97
[28] د. محمد عمارة، "الإسلام والسلطة الدينية" (دار الثقافة الجديدة، القاهرة، 1977)، ص 83
[29]المرجع السابق، ص 16
[30] فهمي هويدي، "الإسلام والديمقراطية" م. س. ذ. ص 14
[31] فهمي هويدي، "القرآن والسلطان، هموم إسلامية معاصرة" (دار الشروق، القاهرة، ط3، 1991)، ص 134
[32] د. صبحي عبده سعيد، "شرعية السلطة والنظام .." ، م. س. ذ. ص 77
ª عندنا خضع الخليفة – أكبر رأس في السلطة – للقاضي، فعلي بن أبي طالب، وهو خليفة، يفقد درعا، ثم يجده عند يهودي، فلا يملك إلا الشكوى إلى القاضي، ولما عجز عن إثبات دعواه، حكم القاضي لخصمه، وخضع الخليفة للحكم.
[33] ول ديورانت، "قصة الفلسفة"، ترجمة د. فتح الله محمد المشعشع(مكتبة المعارف، بيروت، ط5 1985)، ص ص 299 - 303
[34] فهمي هويدي، "الإسلام والديمقراطية" م. س. ذ. ص 104
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق