لوحظ في الآونة الأخيرة ما يحدث على امتداد العالم العربي -مع تفجر الثورات الشعبية بصورة متتابعة- بدأً من تونس ومن بعدها مصر ثم ليبيا واليمن وسوريا، أن القاسم المشترك فيها كان أساليب الأنظمة الدكتاتورية عند مواجهة الاحتجاجات وثورة الشعب، ولعل هذه الممارسات كانت في بعض الدول دوافع أساسية لقيام ثوراتها- بداية من القمع باستخدام الوسائل المعروفة والأسلحة المختلفة، حتى الاستعانة بفئات معينة يطلق عليها في مصر "البلطجية" وفي اليمن "البلاطجة",وقي تونس "كلوشار" (من الأصل بالفرنسية بمعنى المتشرد) وفي الشام "الشبيحة".. وكلها أوصاف للخارجين على القانون ممن يقومون بأعمال عنف وترويع لحساب جهات أمنية تابغة للسلطة غالبا ما تدفع بهم كأداة لقمع الثوار اثناء الثورات..
وقد تزايد الاهتمام بجوانب هذا الموضوع علي نطاق واسع خصوصاً ما يتعلق بالناحية الأمنية لمواجهة هذه الظاهرة التي أصبحت تمثل تهديداً خطيراً لشعور الأمن الذي يعتبر في مقدمة الاحتياجات الأساسية لأفراد المجتمع عموماً غير أن المواجهة لا يمكن أن تكون مكتملة أو فعالة إذا لم تتضمن الاهتمام بالجوانب النفسية والاجتماعية للموضوع بجانب الناحية الأمنية..
تحليل الظاهرة:
وهنا نقدم رؤية نفسية لظاهرة البلطجة تحليلاً لدوافعها وشخصية الذين يقدمون علي القيام بها في سياق اكثر شمولا، فمن وجهة النظر النفسية تعد هذه الظاهرة التي يعرفها الجميع بالعنف أو "الإجرام" أو البلطجة وهي الخروج علي القواعد والقوانين والميل إلى العدوان علي الأنفس والممتلكات بما في ذلك من تعد سافر علي حقوق الآخرين ليست جديدة بل لها جذور نفسية واجتماعية، وتحدث بنسب متفاوتة في مختلف مجتمعات العالم، وهي بالنسبة لعلم النفس أحد أنواع الانحرافات السلوكية نتيجة لاضطراب في تكوين الشخصية، وبدلاً من التكوين السوي للصفات الانفعالية والسلوكية التي تشكل الشخصية التي فإن الاضطراب يصيب الشخصية فيحدث انحراف وخروج علي الأسلوب الذي يتعامل به الشخص في المجتمع مما يتسبب في الاصطدام بين أولئك الذين يعانون من اضطراب الشخصية الذي يطلق عليه النفسيون "الشخصيـة المضادة للمجتمع" Antisocial personality وهو يعني الخروج علي قوانين المجتمع وسوء التوافق مع الآخرين والاصطدام بالقوانين وهو ما يِعرف أيضاً بـ"السيكوباتية"Psychopath والتي العوام من الناس "بالبلطجة" أو الإجرام الذي يتصف به الأشخاص الذين يعرف عنهم الميل إلى ارتكاب هذه الحوادث وتكرارها ذلك دون ضمير أو خوف من العقاب.
انتشار الظاهرة:
تنتشر الانحرافات السلوكية والأخلاقية الناجمة عن اضطراب الشخصية في نسبة تصل إلى 3% من الذكور ،1% من الإناث حسب الإحصائيات العالمية -وهي حالات تختلف عن الأمراض النفسية التقليدية مثل القلق والاكتئاب والفصام والوساوس- وتبدأ بوادر الانحراف السلوكي في مرحلة المراهقة عادة وتحدث بصفة رئيسية في المناطق المزدحمة والعشوائية، وتزيد احتمالاتها في الأسرة كبيرة العدد، وفي المستويات الاجتماعية والتعليمية المنخفضة، وفي دراسات علي أقارب المنحرفين من معتادي الإجرام والذين يتورطون في جرائم العنف أو البلطجية ثبت أن نفس الاضطراب السلوكي يوجد في أقاربهم بنسبة 5 أضعاف المعدل المعتاد، كما أن الفحص النفسي لنزلاء السجون اثبت 75% ممن يرتكبون الجرائم المتكررة هم من حالات اضطراب الشخصية المضادة للمجتمع أو ما يطلق عليه الشخصية "السيكوباتية".
هذا وترجع جذور ودوافع العنف مبكراً إلى تزايد هذه الممارسات والسلوكيات في بيئات معينة يتواجد فيها الشخص في فترات حياته المبكرة حيث يجد فيها النماذج السلبية التي يقلدها ويضاف إلى ذلك الاستعداد الفطري للانحراف لدى بعض الأشخاص الذين يتحولون مع الوقت إلى الإجرام والجنوح لتكون سمة دائمة في حياتهم وهي الأقرب في جميع سلوكياتهم.
معايير تشخيص البلطجي (السيكوباتي):
لشخصية البلطجي (السيكوباتية العدوانية) بعض المعايير التي حددتها الدراسات والأبحاث النفسية، وقد أُطلق على هذه المعايير "الشذوذ الخلقي" وسماه آخرون "عُصاب أخلاقي" ووصفه آخرون "بالمرض النفسي الاجتماعي" وتعدد الأسماء والصفات بتعدد الأعراض المرضية لهذه الشخصية..
ولكن هناك إتفاق صريح على أن هذه الشخصية تتألف من أربعة مظاهر أساسية شاذة، وهي:
1. استجابات مضادة للمجتمع.
2. ردود فعل عدائية.
3. انحرافات سلوكية وجنسية.
4. إدمان المشروبات الكحولية والمخدرات.
وفي رأينا أن المظهر الأول هو أبرز خصائص هذه الشخصية، فالشخص السيكوباتي يتصف بالاندفاعية، وسرعة الاستثارة، ومعاداة النظم الاجتماعية، وكثرة الشغب، والتقلب المزاجي، وضعف القدرة على التركيز، وعدم المثابرة، والخضوع لمبدأ اللذة السريعة، والإشباع المباشر للرغبات، والعجز عن الاستفادة من الخبرات، والعجز عن التوافق الاجتماعي، والسلوك الفج، والغش والكذب، واقتراف المحرمات دون الشعور بخجل أو ندم، والعجز عن تحمل المسئولية إلا في الشغب وإثارة الفوضى، والفشل في العمل وعدم الاستقرار الأسري، وقد يدمن شرب الخمر أو العقاقير المخدرة.
وهؤلاء لم يفتقدوا الصلة بالواقع، وإنما أصيبوا بمظاهر انحراف أو شذوذ في حياتهم الانفعالية، فلم يعد الشخص منهم مدرك للدلالة الانفعالية لأفعاله الشاذة والغير محمودة اجتماعياً.
في التراث النفسي للظاهرة:
في كثير من الدراسات النفسية التي تقوم علي الفحص لشخصية هؤلاء المنحرفين نفسياً الذين يتكرر ارتكابهم لحوادث العنف يبدو المظهر العام هادئاً مع تحكم ظاهري في الانفعال غير أن الفحص النفسي الدقيق يظهر وجود التوتر والقلق والكراهية وسرعة الغضب والاستثارة لدى هؤلاء الأفراد، وهم لا يعتبرون من المرضي النفسيين التقليديين ، ولا يعتبرون من الأسوياء أيضاً، بل هي حالات يمكن أن يؤكد تاريخها المرضي الميل إلى الكذب وارتكاب المخالفات والجرائم كالسرقة والانحراف والمشاجرات والإدمان والأعمال المنافية للعرف والقانون، وهؤلاء لا يبدون أي نوع من الندم أو تأنيب الضمير (أحمد هارون، 2008: السلوك الإجرامي، مستويات الضمير الإنساني)، ولا ينزعجون لما يقومون به بل يظهرون دائماً وكأن لديهم تبرير لما يفعلونه من سلوكيات غير أخلاقية في نظر الآخرين.
وليس المنحرفون نوعاً واحداً، فمنهم من يستغل صفاته الشخصية في تحقيق بعض الإنجازات دون اعتبار للوسائل مثل الصفات البدنية (الضخامة) الصفات العقلية (الذكاء).. وغيرها، ومنهم من يتجه إلى إيذاء الآخرين أو إيذاء نفسه أيضاً، ومنهم من يتزعم مجموعة من المنحرفين أو من يفضل أن يظل تابعاً ينفذ ما يخطط له الآخرون.. ولاشك أن جرائم العنف كالقتل والمشاجرات والاغتصاب ترتبط بالانحرافات السلوكية الأخرى مثل الإدمان والسرقة والأعمال المنافية للآداب العامة، وتزيد احتمالات الإصابة بالاضطرابات النفسية لدى هؤلاء وربما تطور من كونها اضطرابات نفسية الى اضطرابات عقلية بسسبب إدمان المواد والعقاقير المخدرة في الغالب.
اقتراح لحل:
ليس حل هذه الظاهرة أمراً ميسوراً من وجهة النظر النفسية بل يتطلب المشاركة بين جهات متعددة لأن الظاهرة معقدة ولها جوانبها النفسية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية والأمنية.. وهنا نضع بعض النقاط لتكون دليلاً للتفكير في كيفية التعامل مع المسألة دون إهمال لجوانبها النفسية الهامة لها، ونوجزها فيما يلي:
المنحرفون الذين يعرفون بالبلطجية يختلفون تماماً عن المرضي النفسيين رغم أنهم حالات من اضطراب الشخصية المضادة للمجتمع، كما أنهم يختلفون عن مرتكبي الجرائم بدافع محدد في ظروف معينة ولا يعتبرون من المتخلفين عقلياً بل هم حالات غير سوية تتطلب أسلوباً معين للتصدي لهم فلا يجدي معهم العقاب وحده ولا الإرشاد والتوجيه وحده.
لظاهرة البلطجة –أو العنف عموماً- جوانب أخرى حيث يشجع علي تفاقمها عدم توقع العقاب الرادع والعدالة البطيئة، وعدم وجود ارتباط مباشر بين ارتكاب المخالفة القانونية وتطبيق العقاب المناسب، والتأخر في مواجهة الحوادث الفردية حتى تتزايد لتصبح ظاهرة جماعية يعاني منها المجتمع، فمن أمن العقاب أساء الأدب.
ومن الجدير بالذكر أن نسبة علاج هذه الحالات (السيكوباتية) تكاد تكون معدومة في المجال النفسي ولعل هذا يدلل على صدق المولى عز وجل "إن الله لايهدي من هو مسرف كذاب" صدق الله العظيم. ولعل ذلك ما دفع بعض البلدان يتم وضع هؤلاء المنحرفين بعد تشخيص حالتهم - وقبل أن تتعدد الجرائم التي يقومون بارتكابها - في أماكن تشبه المعتقلات من حيث النظام الصارم، وبها علاج مثل المستشفيات ويتم تأهيلهم عن طريق تكليفهم ببعض الأعمال الجماعية والأنشطة التي تفرغ طاقة العنف لديهم.
هذا.. وقد كانت هذه رؤية نفسية لظاهرة البلطجة أو العنف عموماً- التي أصبحت من الظواهر المنتشرة في مصر وغيرها من دول الربيع العربي، وقد كان الدافع إلى محاولة تحليل أسبابها ودوافع ارتكابها وشخصية مرتكبيها هو البحث عن حل يعيد شعور الأمن ليحل محل القلق والخوف من هذه الظاهرة، وأخيراً يجب على كل الجهات التربوية والأمنية والدينية ومؤسسات الرعاية النفسية والاجتماعية والإعلام والجهات الأخرى يجب أن تنسق جهودها وتتعاون معاً لمواجهة مثل هذه الظواهر التي تهم المجتمع وترتبط بالحياة النفسية والاجتماعية للناس في كل حين ومكان.
المصدر: http://aharoun.blogspot.com/
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق